كتب مذكرات يروي فيها معاناة سكان القطاع مع الاحتلال

يوسف بشير.. من غزة إلى الكـونغرس بحثاً عن السلام

صورة

من غير المرجّح أن يبني يوسف بشير، السلام في مثل هذه الأوقات الحالكة خلال السعي لإنهاء الصراع في الشرق الأوسط. كان في الحادية عشرة من العمر عندما اندلعت الانتفاضة الثانية، في عام 2000، إذ استولت قوات الاحتلال الإسرائيلية على مزرعة العائلة في غزة. كانت المزرعة غنية بأشجار الزيتون والنخيل، وخلايا نحل العسل، وحدائق الباذنجان والفلفل الحار والطماطم؛ وكانت العائلة موجودة هناك منذ 300 عام على الأقل، رفض والد بشير (خليل) الانتقال. ويروي بشير في مذكراته الجديدة «كلمات أبي»، «كان والدي يحب أرضه بقدر ما كان يحب أمي. وكان يحب كل منهما بعمق». وخلال السنوات الخمس التالية تم تحويل منزلهم إلى حي عسكري، مع 20 إلى 100 جندي يحتلون الطابقين الثاني والثالث ويوجدون بشكل دائم، «لقد أحدثوا ثقوباً في الجدران العلوية لتستخدم لإطلاق النار من بنادقهم»، يقول بشير: «لقد قاموا بتغطية جميع النوافذ بشبك التمويه، وثبتوا الرشاشات الآلية في كل ركن من أركان السقف».

وتنام عائلة بشير المكونة من جدة يوسف والأطفال الثمانية في غرفة المعيشة. وكان جنود الاحتلال يسمحون لهم بالمغادرة فقط خلال النهار للعمل أو الدراسة؛ لكن يحبسونهم ليلاً - وأحياناً لأيام عدة - إذا كانت هناك اشتباكات في الجوار. وفي ذلك يقول بشير: «تصرفوا كما لو كانوا في أخطر البيوت على وجه الأرض، وكانوا غاضبين إذا عطس أحدنا كثيراً أو تحرك فجأة». كان على الأسرة الحصول على إذن للذهاب إلى الحمام، وكان جندي إسرائيلي يقف قريباً بينما كانوا يستخدمون المرحاض. ولم يسمح لوالد بشير، وهو مدير مدرسة محلية، بإغلاق باب الحمام. وبدأت العائلة في حفظ دلاء مملوءة بالماء في غرفة المعيشة، لاستخدامها إذا لزم الأمر.

من خلال كل ذلك، كان خليل يدعو إلى التعايش. وتساءل عندما وصل الجنود «إلى متى ستبقون في ضيافتنا؟» ليردّ جندي قائلاً: «إلى أن ينتهي كل هذا»، وتفاءل الوالد وقال لابنه: «إلى أن ينتهي هذا الأمر. سينتهي الأمر في يوم من الأيام». وبالرغم من الإذلال، امتثل خليل بسلاسة عندما طلب منه الجنود أن يخلع ملابسه أمام أسرته بعد عودته من العمل، للتأكد من أنه لا يحمل أسلحة، وقال خليل للجنود: «أنا لا أهاجم، ولا أكره، ولا أخطط»، لكنه أضاف «ولا أفقد حقي في الوجود». الصحافيون من جميع أنحاء العالم، بما في ذلك «بي بي سي» و«سي إن إن» والـ «غارديان» و«نيوزويك» و«فيلادلفيا إنكوايرر» زاروا المزرعة لإثبات دعوة خليل للسلام.

شهدت حياة الصبي يوسف بشير منعطفاً غير متوقع عندما تم نقله إلى منشأة طبية في إسرائيل، «كل ما أعرفه عن الإسرائيليين هو أنهم كانوا يمتلكون أسلحة، وكانت لديهم القدرة على إخباري وعائلتي متى نستخدم الحمام ومتى نذهب إلى المدرسة» يكتب بشير في مذكراته «إن أحدهم كاد ينهي حياتي، على ما يبدو، فقط لأنه يستطيع ذلك». عندما زارته مجموعة من الضباط الإسرائيليين في مستشفى «تل هشومر»، في تل أبيب، قَبِل والده خليل اعتذارهم عما لحق بابنه؛ لكن يوسف الذي يعاني ألماً «لا يرحم» نتيجة إصابته بثلاث رصاصات مازالت في عموده الفقري، لم يقبل الاعتذار.

استمرت دورة العمليات الجراحية والعلاج لأشهر عدة، «اعتقدت أنه إذا فعلت ذلك فقد يستمعون وأصبح أقوى. في بعض الأحيان كانت دموعي تسقط دون إذن مني». كان المرضى الإسرائيليون وعائلاتهم يحاولون دعم الفتى الفلسطيني الجريح، وجاء الطلاب المتطوعون اليهود للعب معه.

هذا هو الجزء الحزين من كتاب يوسف بشير أما الباقي المملوء بحيوية الشباب والمغامرات غير المتوقعة، والاكتشاف الخام؛ فهو أمر مثير للاهتمام. عندما تعلم المشي مرة أخرى، كان مصمماً على تجاوز الفخ الاجتماعي والسياسي. وشملت رحلته مدرسة «بذور السلام» مع أطفال إسرائيليين في ولاية ماين الأميركية، ومدرسة كويكر في الضفة الغربية، ومدرسة داخلية في «مورمون يوتا»، انتهت بدرجة عليا في الصراع والتعايش من جامعة «برانديز». حصل على زمالة «سكوفيل بيس»، وفي العام الماضي، كان متدرباً في الكونغرس مع الديمقراطية فرجينيا غيرالد كونولي، التي قالت إن بشير، الذي يبلغ الآن 29 عاماً، قد يكون يوماً ما رئيساً للشعب الفلسطيني. أثناء وجوده في مبنى الكونغرس، ذهب بشير مع مجموعة من الطلاب الإسرائيليين للقاء السيناتور بيرني ساندرز. وقال لي: «أخبرت بيرني أنه كان أكثر اليهود شعبية في غزة». وضحك ساندرز، وعيّنه في ما بعد متدرباً.

ومنذ 2005، يعيش بشير بعيداً عن أسرته، وتوفي والده فجأة في عام 2009. ولم يكن لدى الشاب الفلسطيني أبداً فرصة ليقول بنفسه كيف أن كلمات والده (وبالتالي عنوان الكتاب) أعادت توجيه حياته. وهو يعمل الآن في الكونغرس لمصلحة بعثة السلطة الفلسطينية في واشنطن.

بعد وقت قصير من توليه منصبه، تعهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالتوسط في عملية السلام في الشرق الأوسط؛ «إنه شيء أعتقد أنه بصراحة ربما ليس صعباً، كما كان يعتقد الناس على مر السنين»، تنبأ الرئيس بشكل مثير للدهشة. وبدلاً من ذلك، يبدو الأمر أكثر صعوبة من أي وقت مضى. انتهت الدبلوماسية الأميركية مع الفلسطينيين، بقيادة صهر الرئيس، جاريد كوشنر، بعد أن اعترف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأميركية إلى هناك من تل أبيب. وفي هذا الشهر، خفضت إدارة ترامب المساعدات الإنسانية، التي تجاوز مجموعها 200 مليون دولار كان الكونغرس قد أقرها للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة. وأعلنت إدارة ترامب، أخيراً، إلغاء كل التمويل الأميركي لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، التي تشرف على المساعدات الدولية للاجئين الفلسطينيين، منذ عقود، واصفاً المساعدات إياها بأنها «معيبة بشكل لا يمكن إصلاحه؟». وستعلن الولايات المتحدة، أيضاً، رفضها لتعريف الأمم المتحدة لـ«اللاجئ الفلسطيني»، وهو قرار من شأنه أن يحدد عدد اللاجئين المعترف بهم بنحو نصف مليون، وهو ما يعادل عُشر الرقم الفعلي الذي تعترف به الأمم المتحدة. القرار الأميركي بشأن القدس، يمكن أن يأخذ واحدة أخرى من أكثر القضايا المثيرة للجدل في عملية السلام بعيداً عن طاولة المفاوضات. وأظهر استطلاع أجري على مدى الأشهر الستة الماضية أن دعم حل الدولتين - وهو فرضية السلام لمدة نصف قرن - قد انخفض إلى 43% بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وهذه النسبة هي الأدنى خلال عقدين من الدراسات الاستقصائية المشتركة، وفقاً لاستطلاع إسرائيلي - فلسطيني صدر في أغسطس عن مركز «تامي شتاينمتس» لأبحاث السلام، في جامعة تل أبيب، والمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، في رام الله. من جانبه، يتحدث يوسف بشير، الذي يقضي الآن أغلب وقته في كسب التأييد للفلسطينيين، إلى الجماعات اليهودية، بما في ذلك «أيباك»، ويروي قصته لأي شخص يستمع، ولم يفقد الأمل في السلام، رغم أنه يبدو متضايقاً من حين لآخر، «أعتقد أنني فهمت أخيراً ما كتبه الرومي - شاعر عاش في القرن الـ13، عندما كتب أنه لا يوجد حب أعظم من حب من دون محبوب»، يقول بشير: «إن التزامي بالسلام كان بمثابة علاقة حب من دون محبوب» * كاتبة في مجلة «نيويوركر» منذ عام 1988.

روبن رايت