نتيجة امتلاكه و«حزب الله» تقنية الصواريخ المتطورة

إسرائيل تخشى الوجود الإيــــراني في سورية

صورة

لم تتمتع إسرائيل يوماً بمثل هذه القوة والجبروت كما هي الآن، فهي تتبجح بعلاقتها الوثيقة مع إدارة الرئيس دونالد ترامب، كما أن جيشها قوي ويمتلك الأسلحة النووية، وقواتها الجوية قادرة على ضرب العدو الموجود على بعد مئات الأميال عنها. وفي الوقت ذاته فإنها دولة صغيرة تتميز ببنية تحتية صغيرة، إذ إنها لا تملك سوى مطار دولي واحد، وعدد ضئيل من محطات توليد الطاقة، وشبكة لتوزيع الطاقة الكهربائية يقول الخبراء الإسرائيليون إنها قد بليت وتتسم بالهشاشة أمام أي هجوم ضدها.

من ناحية أخرى، فإن إيران وحليفها «حزب الله» يمتلكان صواريخ متطورة مصممة بطريقة تمكنهما من استغلال نقاط ضعف إسرائيل. وبالنسبة لخبراء الأمن الإسرائيليين فإن السيناريو الكابوس الذي يعيشونه هو أن تصبح تلك الصواريخ من الدقة بما يكفي لضرب البنية التحتية المدنية والعسكرية لإسرائيل، بحيث يؤدي إلى شلل الحياة اليومية فيها. وأدى هذا التهديد الذي تشكله إيران وحليفها إلى دفع إسرائيل إلى التدخل بعمق أكبر في الصراع السوري، ما يشي بتغيير شكل الحرب التالية مع «حزب الله»، هذه الحرب التي يمكن أن تحدث في موعد أقرب مما نتوقعه.

ضرب القوافل

ومنذ بداية الحرب السورية، قامت الطائرات الإسرائيلية بضرب قوافل «حزب الله» أكثر من 100 مرة، وتواصل الحكومة السورية هجومها نحو الجنوب الغربي للدولة، ما يهدد بمزيد من التصعيد، وتقترب قوات النظام السوري من إسرائيل التي أرسلت تعزيزات نحو حدودها لمنع أي انتشار للحرب على أراضيها. وكانت إسرائيل أسقطت أخيراً طائرتين سوريتين بدون طيار، كانتا قد عبرتا نحو الأراضي الإسرائيلية. وعلى الرغم من أن المقاتلين المدعومين من إيران لعبوا دوراً بسيطاً في الهجوم، فإن المسؤولين الإسرائيليين يواصلون الشعور بالقلق من أن هذه القوات يمكن أن تدخل بهدوء إلى الأراضي الإسرائيلية إذا سيطرت قوات الحكومة السورية على المنطقة.

وتجري الولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل مفاوضات للتوصل إلى حل دبلوماسي للصراع السوري الذي سيؤدي إلى تشكيل منطقة عازلة خالية من القوات المدعومة من إيران بالقرب من الحدود الإسرائيلية، لكن تهديد صواريخ «حزب الله» طويلة الأمد لايزال موجوداً. وقال لي السفير الإسرائيلي السابق في الولايات المتحدة مايكل أورين: «قلقنا ليس من إيران قرب الحدود، وإنما من إيران الموجودة في سورية. وبالطبع فإن إبعاد القوات الإيرانية بعيداً عن الحدود لا يساعد كثيراً طالما أنهم يمتلكون صواريخ مداها 200 كليومتر». وفي تركيزها على هذه النقطة في 10 مايو الماضي أطلقت إيران وحلفاؤها 32 صاروخاً على إسرائيل من هضبة الجولان، ووقع معظمها في مناطق قرب الحدود أو في أماكن غير مأهولة، في حين أن بعضها تم اعتراضه من قبل نظام الدفاع المضاد للصواريخ. وقال زعيم «حزب الله» حسن نصرالله، إن الهجمات تمثل «مرحلة جديدة» في الصراع مع إسرائيل.

ومنذ حرب عام 2006 قام «حزب الله» بتطوير ترسانته الصاروخية بمساعدة إيران، ويمكن لنظام الاعتراض الإسرائيلي أن يسقط عدداً من الصواريخ، لكن عندما يكون عددها كبيراً فإن ذلك لن يكون أمراً سهلاً. والتقيت الحاج محمد في لبنان وهو مقاتل من «حزب الله» شارك في حرب 2006 وأطلق الكثير من صواريخ الكاتيوشا على إسرائيل على الرغم من أن الطائرات الإسرائيلية كانت تحلق في أجواء لبنان، لكن منصات إطلاق الصواريخ كانت مخفية في ملاجئ أسمنتية ضخمة، حيث يتم إخراجها وإعادتها بنظام هيدروليكي، ما سمح للحزب بمواصلة إطلاق الصواريخ ودفع مئات آلاف الإسرائيليين إلى الهرب من بيوتهم.

وعلى الرغم من أن الحاج محمد كان سعيداً بتذكر انتصار 2006، فإن تركيزه انصب على المستقبل حيث قال: «منذ عام 2006 حتى الآن تغيرت اللعبة، وقد اخترنا أهدافنا التي سنمطرها بالصواريخ بدقة». ويبدو أن تقييمات المخابرات الأجنبية تأخذ ما قاله الحاج محمد بعين الاعتبار، وأخبرني مسؤول أميركي في مكافحة الإرهاب أن «حزب الله» يمتلك قوة كبيرة من الصواريخ المختلفة والمتطورة التي يمكنها أن تضرب الرؤوس النووية الإسرائيلية، إضافة إلى طائراتها المتطورة بدون طيار. وقال إن الحزب يمكنه إطلاق نحو 1200 صاروخ يومياً بعد أن كانت 100 صاروخ قبل 12 عاماً.

وامتلك «حزب الله» صواريخ تضرب العمق الإسرائيلي منذ أمد بعيد، بيد أنها كانت غير دقيقة ولا يمكن تصويبها نحو أي هدف، لكن في السنوات الأخيرة قامت إيران بتطوير الصواريخ وجعلتها أكثر دقة، ما دفع إسرائيل إلى التركيز على تدميرها.

وأخطر هذه الصواريخ هو «الفاتح 110» الذي تنتجه إيران ويتميز بنظام تصويب متطور، ولذلك فإن استخدام هذا الصاروخ ضد إسرائيل من شأنه أن يشكل خطراً كبيراً على المدن الإسرائيلية والأهداف الحربية، ويمكن أن تؤدي مثل هذه الصواريخ إلى إيقاف الحياة في المدن الإسرائيلية الكبيرة، كما أنها يمكن أن تؤدي إلى إغلاق مطار بن غوريون، بيد أن هذا الصاروخ ليس بالدقة التي تجعله يدمر هدفاً عسكرياً محدداً. وقال الخبير في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية مايكل ايلمان: «لا أعتقد أن هذه القدرات الحربية التي تعرضها إيران حاسمة عسكرياً، لكنها يمكن أن تعقّد خطط إسرائيل العسكرية بصورة كبيرة».

ومن المعروف أن القدرات الصاروخية الإيرانية تتطور كل عام عما كانت عليه في السابق، ويمكن أن تنتج إيران تقنيات أكثر تطوراً تهدف إلى تنظيم دقة صواريخها وتزودها بأنظمة تحديد الموقع «جي بي إس»، وربما الأمر الأكثر إثارة للقلق ــ كما يقول ايلمان ــ أن ثمة أدلة على أن الإيرانيين يحاولون تصغير حجم مكونات تصويب الصاروخ، ما يجعل بعض صواريخ «حزب الله» الأصغر حجماً أكثر دقة أيضاً.

وقال زعيم «حزب الله» حسن نصرالله، إنه تم نقل بعض من صواريخ «الفاتح 110» إلى لبنان. وأعرب بعض مسؤولي الدفاع في إسرائيل عن خشيتهم من أن الحزب يمتلك السيطرة على عدد من هذه الصواريخ في الجبال الموجودة غرب سورية، الأمر الذي يسمح بضرب إسرائيل دون إشعال حرب شاملة، لكن ضربات إسرائيل ضد «حزب الله» في سورية يمكن أن تشعل الحرب المقبلة.

ولابد من القول إن الضرر الذي سيصيب إسرائيل في الحرب المقبلة سيكون شيئاً لا يذكر مقارنة بالتدمير الذي سيلحق بلبنان، فبموجب استراتيجية تم تبنيها عام 2008 سيتم استخدام قوة مفرطة يمكن أن تؤدي إلى تدمير أي قرية أو حي يعمل فيه «حزب الله». وبناء عليه فإن لبنان يمكن أن يلحقه مستوى من التدمير غير مشهود منذ الحرب العالمية الثانية، حسبما ذكر مسؤول في الجيش الإسرائيلي، الذي قال: «سنسحق هذا البلد ونسويه بالأرض».

من وجهة نظر عسكرية بحتة، فإن مثل هذه الاستراتيجية يمكن أن تعمل على تحييد ترسانة «حزب الله»، ويمكن أن تقوم الطائرات الحربية الإسرائيلية بدوريات في سماء لبنان وسورية، بحيث تدمر أي منصة إطلاق لصواريخ «الفاتح 110» وأي صاروخ بعيد المدى، وستقوم بقتل كل رجل من أمثال الحاج محمد، وتدمر المدن والقرى اللبنانية إلى درجة تدفع إلى تدخل القوى العالمية لوقف هذه الحرب.

وقال أورين إن إسرائيل ستجبر على استهداف مناطق مدنية، حيث توجد فيها صواريخ «حزب الله»، وستدعو إلى شن الحرب على الحكومة اللبنانية في الصراعات المستقبلية. لكنه عبّر عن قلقه من أن إسرائيل ستحقق نصراً مكلفاً، فالصور الدموية التي ستنجم عن الغارات الإسرائيلية والتي سيتم نشرها في جميع تلفزيونات العالم ستوجه ضربة دبلوماسية قاصمة لإسرائيل. وقال: «هذه المعركة التي ستبدأ في لبنان لن تنتهي في لبنان. هذه المعركة التي ستبدأ في لبنان ستنتهي في لاهاي إذا انتصر (حزب الله)، والهدف من ذلك إيجاد تآكل منهجي لشرعيتنا، وحقنا في الدفاع عن أنفسنا وفي نهاية المطاف حقنا في الوجود». وأضاف: «ويتعين عليّ القول وبصدق إنهم سينتصرون في هذه الحرب».

ديفيد كينير محامٍ أميركي من ولاية لوس أنجلوس


القدرات الصاروخية الإيرانية تتطور كل عام عما كانت عليه في السابق، ويمكن أن تنتج إيران تقنيات أكثر تطوراً تهدف إلى تنظيم دقة صواريخها، وتزويدها بأنظمة تحديد الموقع «جي بي إس».

منذ حرب عام 2006 طور «حزب الله» ترسانته الصاروخية بمساعدة إيران. ويمكن لنظام الاعتراض الإسرائيلي أن يسقط عدداً من الصواريخ، لكن عندما يكون عددها كبيراً فإن ذلك لن يكون أمراً سهلاً.