ألكسندر ستوب يوظف علاقاته الشخصية مع ترامب لتجاوز الخلافات بين أميركا وأوروبا

فنلندا تراهن على دبلوماسية «الغولف» لحماية التحالف عبر الأطلسي

ستوب يتمتع بعلاقة مع ترامب قد تكون الأفضل بين نظرائه الأوروبيين. من المصدر

مع تسارع تفكك النظام الدولي الذي ساد في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، والذي قادته الولايات المتحدة وأوروبا، يبرز في القارة العجوز سؤال لم تتضح إجابته بعد: ما الخطوة التالية؟ ففي الوقت الذي تعمل الدول الأوروبية على إعادة تسليح نفسها في ظل تصاعد ما يعرف بـ«الحرب الهجينة»، المرتبطة بالحرب في أوكرانيا، يسعى الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى استمالة كل من موسكو وبكين، الأمر الذي يضع التحالف عبر الأطلسي أمام واحدة من أكثر مراحله هشاشة منذ تأسيسه.

وعلى الرغم من هذه التحديات، لايزال هناك زعيم أوروبي واحد على الأقل يراهن على قدرة هذا التحالف على التكيف مع المتغيرات الدولية والاستمرار، ويبدو أن الرئيس الفنلندي، ألكسندر ستوب، يتمتع بعلاقة مع ترامب قد تكون الأفضل بين نظرائه الأوروبيين، وهي علاقة تعززت، بطبيعة الحال، من خلال ممارسة رياضة «الغولف».

ويساعد ستوب في ذلك أيضاً تبنّيه رؤية بعيدة المدى في وقت تتزايد فيه حالة عدم اليقين، مستنداً إلى خبرة تمتد أربعة عقود من التنقل بين ضفتي المحيط الأطلسي، بدأت عندما كان طالباً جامعياً، وصولاً إلى توليه قيادة فنلندا.

وقال ستوب خلال مقابلة، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، في سبتمبر الماضي: «لا أعرف متى ستستقر أوضاع العالم، فلنمنحه خمس سنوات أخرى أو نحو ذلك، وبحلول عام 2030 ربما نصل إلى شكل ما من أشكال النظام الجديد، لكننا نعيش حالياً مرحلة انتقالية بين الوضعين القديم والجديد، وهذا ما يجعل الأمور معقدة للغاية».

وصف مخفف

وتبدو كلمة «معقدة» وصفاً دبلوماسياً مخففاً لنهج إدارة ترامب تجاه أوروبا خلال ولايته الثانية، فقد شن الرئيس الأميركي حرباً تجارية على حلفاء بلاده الأوروبيين، ثم هدد بانتزاع جزيرة غرينلاند من الدنمارك، العضو في حلف شمال الأطلسي «الناتو».

كما أبدى كبار مسؤولي الإدارة الأميركية، بمن فيهم نائب الرئيس، جيه دي فانس، تأييدهم لحركات وأحزاب يمينية متطرفة في أوروبا، من بينها حزب «البديل من أجل ألمانيا» وحزب «فيدس» الذي كان يتزعمه رئيس الوزراء المجري السابق فيكتور أوربان، وإلى جانب ذلك، تطالب واشنطن الدول الأوروبية بتحمل حصة أكبر من أعباء الدفاع عن القارة، وزيادة مساهماتها في دعم أوكرانيا.

وفي خضم هذا المشهد المعقد، نجح ستوب في بناء علاقات عمل مع ترامب وصهره ومبعوثه جاريد كوشنر، فضلاً عن عدد من كبار المسؤولين الأميركيين، وهي علاقات قد يحسدها عليها كثير من القادة الأوروبيين.

وأصبح ستوب ورئيس الوزراء النرويجي، يوناس غار ستوره، من الشخصيات الأوروبية المحورية في الدبلوماسية التي تنتهجها إدارة ترامب بشأن أوكرانيا، حيث يؤديان دور حلقة الوصل بين الأميركيين والأوكرانيين والأوروبيين.

«حرب هجينة»

وقال ستوب في هذا الشأن: «أعتقد أننا نعمل خلف الكواليس، فتربطني علاقة جيدة بجاريد»، وتتمثل رؤيته في التوصل إلى وقف لإطلاق النار عند خط التماس الحالي، يعقبه الدخول في محادثات سلام، بالتزامن مع الدعوة إلى زيادة الدعم المقدم لأوكرانيا.

وفي المقابل، يحذر ستوب من المبالغة في ردود الفعل تجاه الحملة الروسية التي توصف بأنها «حرب هجينة» داخل أوروبا، والتي تشمل أنشطة تهدف إلى زعزعة الاستقرار وإثارة المخاوف الأمنية.

وفي أغسطس الماضي، عُثر على طائرة مسيرة تحمل عبوة ناسفة بمطار «لايبزيغ - هاله» في ألمانيا، وفي سبتمبر حذر رئيس الوزراء البولندي، دونالد توسك، من أن موسكو تخطط لشن هجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ على أراضي دول حلف الناتو، مع نيتها وصف تلك الهجمات بأنها «حوادث عرضية».

وأشار ستوب إلى سقوط أربع طائرات مسيّرة في فنلندا خلال العام الجاري، لكنه أكد أنه لا يرى أن بلاده تواجه تهديداً عسكرياً روسياً مباشراً، مشدداً على ضرورة التعامل مع حملة الحرب الهجينة الروسية باعتبارها تحدياً طويل الأمد، يتطلب الصبر والاستعداد بدلاً من الانجرار إلى ردود فعل متسرعة.

وأضاف: «أعتقد أن على الناس تبني العقلية الفنلندية في التعامل مع هذا الأمر، أي التحلي بالهدوء والرزانة، فإذا ساورك القلق من تصعيد ما، فإن أول ما تفعله هو الذهاب إلى الساونا، ثم أخذ حمام ثلجي، والتفكير ملياً في كيفية التصرف حيال ذلك».

«الغولف»

ويعزو ستوب الفضل في جهوده المستمرة طوال حياته لتعزيز العلاقات بين الولايات المتحدة وفنلندا إلى الفترة التي قضاها طالباً جامعياً في مدينة غرينفيل بولاية ساوث كارولينا الأميركية، فقد التحق بجامعة «فورمان» عام 1989، وهو العام الذي شهد سقوط جدار برلين، وانضم خلال دراسته إلى فريق «الغولف» في الجامعة، لتصبح هذه الرياضة لاحقاً إحدى الأدوات التي ساعدته على بناء شبكة من العلاقات السياسية والشخصية في الولايات المتحدة.

كما أتاحت له صلاته بولاية ساوث كارولينا تكوين صداقة مع السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، الذي توفي في يوليو الماضي، فسافر ستوب إلى واشنطن لحضور جنازته، وكان غراهام مَن عرّف ستوب بترامب، في فبراير 2025، مشيراً آنذاك إلى مهارته في ممارسة «الغولف».

وفي الشهر التالي، شارك ستوب وترامب في فريق واحد خلال بطولة «الأعضاء والضيوف» الربيعية التي أقيمت في نادي «ترامب إنترناشيونال» لـ«الغولف» في «ويست بالم بيتش» بولاية فلوريدا، وضم الفريق أيضاً غراهام، وأسطورة الغولف غاري بلاير، وعضو الكونغرس السابق تري غاودي، وتمكنوا من الفوز بالبطولة.

وعقب ذلك، أشاد ترامب بقدرات ستوب في اللعبة، وكتب عنه قائلاً: «إنه لاعب جيد للغاية»، ومنذ ذلك الحين، تطورت العلاقة بين الرجلين بسرعة، وتحولت إلى صداقة وثيقة أسهمت في فتح قنوات اتصال مباشرة بين الرئيس الفنلندي والإدارة الأميركية.

كاسحات الجليد

ولم يقتصر ستوب على توظيف هذه العلاقة في إطار التواصل الشخصي، بل سعى إلى تعزيزها من خلال طرح مشروع يتعلق بقطاع صناعي فنلندي تحتاج إليه الولايات المتحدة، وهو تصنيع كاسحات الجليد المخصصة للعمل في المناطق القطبية الشمالية.

فوفقاً لحسابات ستوب، تمتلك روسيا 42 كاسحة جليد، في حين لا يمتلك خفر السواحل الأميركي سوى ثلاث كاسحات، وهو تفاوت يسلط الضوء على أهمية تعزيز القدرات الأميركية في المناطق القطبية، التي تزداد أهميتها الاستراتيجية مع احتدام التنافس الدولي.

وفي أكتوبر 2025، وقّع ترامب وستوب اتفاقية، في البيت الأبيض، لتصنيع ما يصل إلى 11 سفينة أمنية جديدة مخصصة للمناطق القطبية، على أن تُبنى أربع منها في أحواض بناء السفن الفنلندية، بكلفة تقديرية إجمالية تبلغ 6.1 مليارات دولار، ومن المقرر تسليم السفينة الأولى في عام 2028.

وأشار ستوب إلى أن ترامب أبدى اهتماماً شخصياً بالمشروع، حيث كان يتصل به في أوقات غير معتادة لمناقشة تفاصيله، كما ذكر أن الرئيس الأميركي تحدث عن «الغولف» وكاسحات الجليد خلال اجتماعهما في نيويورك الشهر الماضي، في مؤشر على تداخل العلاقات الشخصية والمصالح الاستراتيجية في التواصل بين الجانبين.

تحوّط

ومع ذلك تتجه فنلندا، وأوروبا عموماً، إلى تبنّي استراتيجية تقوم على التحوط وتنويع الشراكات، بهدف الحد من المخاطر الناجمة عن الاعتماد على حليف واحد، لاسيما في ظل التغيرات التي تشهدها السياسة الأميركية.

وفي هذا الإطار، أشاد ستوب بالاتفاقيات التجارية الجديدة التي أبرمتها أوروبا مع الهند ودول أميركا الجنوبية، إلى جانب تنامي التعاون مع دول الخليج العربية، معتبراً أن هذه الخطوات تمثل نماذج لسعي الأوروبيين إلى تنويع علاقاتهم الاقتصادية والجيوسياسية، وتوسيع شبكة الشراكات التي يمكنهم الاعتماد عليها في مواجهة التحولات الدولية.

وقال ستوب: «نظراً لأننا نعيش في عالم يتسم بالاضطراب، بل يكاد يكون عالماً من الفوضى، فلابد لك من خوض هذه اللعبة».

وتعيد هذه التحولات إلى الأذهان المرحلة التي تعرف فيها ستوب إلى الولايات المتحدة، خلال دراسته الجامعية في مدينة غرينفيل في تسعينات القرن الماضي، ففي ذلك الوقت كانت الولايات المتحدة قد خرجت لتوها منتصرة من الحرب الباردة، وكانت تنظر إلى قيمها وتحالفاتها باعتبارها أحد أهم مصادر قوتها ونفوذها على الساحة الدولية، فهل ستواصل أميركا، في مرحلة ما بعد ترامب، الدفاع عن تلك القيم والتحالفات؟ دعونا نأمل ذلك، حرصاً على أمن أوروبا والولايات المتحدة.  جوش روجين*  *محلل أمني في «واشنطن بوست إنتلجنس» عن «واشنطن بوست»

إعادة التوازن

يرى السياسي البارز في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، جيمس كرابتري، أن الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، إلى جانب الأمين العام لحلف شمال الأطلسي «الناتو»، مارك روته، ووزير الخارجية البولندي، رادوسلاف سيكورسكي، من بين القادة الأوروبيين الذين يعملون على الحفاظ على تماسك العلاقة عبر الأطلسي وضمان استمرارها، في ظل التوترات التي تشهدها العلاقات بين واشنطن والعواصم الأوروبية.

وقال كرابتري: «إن السيناريو الأفضل لأوروبا يتمثل في إعادة التوازن بصورة منظمة داخل (الناتو) بمرور الوقت، بحيث يقلل الأميركيون من انخراطهم، ويزيد الأوروبيون من دورهم، لكن يتم ذلك بشكل تدريجي لا يترك أي فجوات».

ولاتزال شخصيات عديدة في الدائرة المقربة من الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تنسق جهودها مع حركات يمينية أوروبية تتبنى مواقف مؤيدة لروسيا.

وتبرز فرنسا ضمن الدول التي تتجه إليها الأنظار في هذا السياق، بعدما أبدى ترامب ونائبه جيه دي فانس، دعمهما لزعيمة التجمع الوطني اليميني المتطرف، مارين لوبان، التي يقال إنها حصلت على الموافقة لخوض الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل.

• ستوب يعزو الفضل في جهوده المستمرة لتعزيز العلاقات بين أميركا وفنلندا، إلى الفترة التي قضاها طالباً جامعياً في مدينة غرينفيل بولاية ساوث كارولينا.

تويتر