«فجر الإنقاذ».. يشرق بعد عذاب طويل - الإمارات اليوم

«فجر الإنقاذ».. يشرق بعد عذاب طويل

  
رصد الأحاسيس الفريدة لمن يتعرّض لحادث استثنائي قد يطغى على أيّ شيء آخر في شخصية ذاك الذي يعاني منها ويتعرض لظروف مفرطة القسوة مثل التعذيب والعزلة واليأس، لاسيما إن كان الفيلم الذي نعرض له هنا من توقيع المخرج الألماني فيرنر هيرزوغ، المهووس -إن صحت الكلمة-  بالتحرك في المساحة المتاحة أمام الإنسان من تحولات لدى تعرّضه لظروف استثنائية، وهنا وفي جديده، أي فيلم «ريسكيو دون»، (فجر الإنقاذ) يستعيد سيرة الطيار الألماني الأصل ديتر دينغلر الذي على ما يبدو أن هيرزوغ لم يكتفِ بفيلم وثائقي حققه عن هذا الطيار عام 1997 بعنوان «ديتر الصغير يريد الطيران» ليعود ويقدم عنه فيلماً روائياً نفض عنه ما عرف به دينغلر وقصته المتمثلة بالتقاء عينيه وهو صغير بعين طيار يحلق على علوٍ منخفض، بينما كان يراقب السماء من نافذة عالية في بيته ببرلين، وحينها فقط قرّر أن يكون طياراً.


نكمل سيرة دينغلر الذي يحصل على الجنسية الأميركية في الثامنة عشرة من عمره، ويمسي طياراً في الجيش الأميركي، لنمضي بعد ذلك نحو الفيلم الذي يستبعد ما تقدم لصالح ما يتعرض له دينغلر -جسّد شخصيته كريستيان بيل-، ففي إحدى الطلعات الجوية أثناء حرب فيتنام تتعرض طائرته للإصابة، ويقع في لاوس، حيث لا يجد مفراً من الوقوع في أسر المقاتلين، الذين يجدون فيه ذاك الذي يقصفهم من الأعلى بشتى أنواع القنابل والصواريخ.


الفيلم، وبعد حدوث ما تقدم، يتحوّل إلى تفاصيل ما يتعرض له ديتر من شتى أنواع التعذيب، وتحديداً أنه يكون بداية في أيدي مجموعة صغيرة من الفلاحين الثوّار قبل أن ينقل إلى السجن الذي يجمعه مع أسرى آخرين، ولعل فرادة زعيم المجموعة شيء يمثل بالذاكرة كأن نراه وعلى كتفه فراشة هائلة الحجم جاثمة على كتفه كطائر، والكيفية التي يربط فيها ديتر بوتد مثبت في الأرض، يستيقظ من إغماءته على صوت أزيز حشرة عجيبة يلهو بها أحد أطفال القرية وقد ربطها بخيط.


بعد ذلك يؤخذ ديتر إلى القيادة الفيتنامية حيث يسألونه كتابة بيان يتنصل فيه من الجيش الأميركي، ويعتبر أن الممارسات الإمبريالية للولايات المتحدة الأميركية أمر يرفضه ويدينه بشدة، قائلاً له الضابط إنه إن فعل فإنهم سيطلقون سراحه، إلا إنه يرفض لا لشيء إلا لأن أميركا قد وفرت له فرصة الطيران، وأنه لن يكون جاحداً لهذا الفضل العظيم برأيه.


الطيران، ووحده الطيران، ما تتوق له هذه الشخصية، لينتقل الفيلم إلى مرحلة أخرى تتمثل بالوصول إلى فجر الإنقاذ، حيث يلعب ديتر في المعسكر الذي يحتجز فيه دور (مايسترو الهرب) بمعنى أن رفاقه هناك مسلوبو الإرادة تماماً، ومؤمنون بأن الهرب من هذا المعسكر أمر من المستحيل، لكن ديتر يكون على قناعة مغايرة رغم أنهم محتجزون في ظروف خاصة جداً، مثل أن توضع أقدامهم في قوالب إسمنتية لدى نومهم، إضافة للحراسة الشديدة المفروضة على المعسكر.


لا يجـد ديتر في كــل الصـعوبات الـتي تعترض هربه أي عائق، ويبدأ من اللحظة الأولى بدراسة كل الإمكانات والإعداد للحظة الصفر، ففي البداية يتمكن من فك القوالب الإسمنتية، ومن ثم يدرس الكيفية التي يتوزع فيها الحرس، وكيف أنهم وقت الغداء يتركون أسلحتهم بعيداً عنهم ليأكلوا، لنصل بعد متابعتنا كل تلك التفاصيل إلى فجر الإنقاذ الذي يبزغ بعد عناء طويل.

طباعة