«زمن اليباب».. حياة يسيّجها الموت في «دبي للشباب» - الإمارات اليوم

مخرج العرض لجأ إلى «السخرية» لتفكيك سوداوية النص

«زمن اليباب».. حياة يسيّجها الموت في «دبي للشباب»

صورة

كشف العرض المسرحي «زمن اليباب» لمسرح دبي الأهلي، عن ولادة مجموعة من النجوم الصاعدة والطاقات الإبداعية الشابة، التي تتفجّر بالمواهب التمثيلية والإخراجية. العرض، الذي افتتح فعاليات الأمسية الثالثة لمهرجان مسرح دبي للشباب في دورته الـ12، من تأليف الكاتب والقاص الأردني هزاع البراري، الفائز بالجائزة الأولى بمسابقة تأليف النص المسرحي للكبار، التي نظمت في إطار الطبعة التاسعة لمهرجان المسرح العربي يناير الماضي.

تتمحور فكرته حول أن الحياة المسيّجة بالموت، هي الزمن المثقل بالأسئلة والانكسار، وكان العرض هو المساحة التي تجسّد البوح الموجع، مقدماً شخوصاً عالقة يرفضها الموت ولا تقبل بها الحياة، وكأن الزمن الذي يعيشه الإنسان الآن هو الحاضر المحاط بالخوف والارتباك، وبوابة واسعة للجراح والبوح الصادم.

والعمل للمخرج الشاب سالم التميمي، الذي يعدّ باكورة أعماله في عالم الإخراج المسرحي، ليتحدى نفسه بنص مسرحي، وصفه المتخصصون بالصعب، لما يحمله من رموز وتفسيرات للحياة والموت، وتفاصيل تتعلق بأحاسيس الأموات المتجمّدة.

فكرة العرض

تدور حكاية العمل حول الفتاة (فرح) ،التي احتفظت بجثة والديها وحبيبها في المكان الذي تقطن به، بعد أن انتشر في وطنها وباء قاتل فتك بأهل قريتها، وأجبر الناجون على الهرب خارجها، لكنها رفضت أن تستسلم لفكرة موت أحبابها وما لها في الدنيا، وأصبحت تتعايش معهم بطريقة خيالية، وتتفجّر الأحداث عندما يحدث الصراع بين الحياة والموت، وتظل بطلة العرض عالقة بين عالمي الأموات والأحياء حائرة خائفة تطاردها الذكريات وتجذبها الأحلام.

أول تجربة

عن تجربته الأولى في عالم الإخراج المسرحي، قال سالم التميمي، لـ«الإمارات اليوم»: «عشقت المسرح منذ صغري، وتنقلت بين أركانه فمن منصة التمثيل عبر مسرح دبي للشباب وصولاً اليوم إلى تجربتي الإخراجية الأولى، ولا أنكر أن ردة فعل الحضور ووصول رؤيتي إلى عقولهم ولمسها لعواطفهم، فاقت توقعاتي، ورغم أن النص يعدّ سوداوياً، لكنني حرصت أن يكون (ساخراً) ممتعاً، يجذب المتلقي من أول إلى آخر لحظة بالعرض».

وأضاف التميمي: «لم تكن هناك صعوبات تذكر، فقد سار العمل بسلاسة ويسر، لكن الصعوبة الوحيدة التي واجهتني في هذا العرض كانت فى اختيار النص، ومن ثم تفكيكه واختيار شكل العمل المسرحي المناسب، حيث استغرقت بروفات الطاولة التي تجمع فريق العمل أكثر من 45 يوماً، وإضافة إلى أيام عدة مع المجاميع، وقد تجلى هذا الجهد واضحاً امام الجمهور الذي عكسه تفاهمنا وانسجامنا على خشبة المسرح أثناء العرض». وأكد السويدي أن إدارة المهرجان تقوم بجهود جادة وحثيثة في المشهد المحلي، وكان مسرح دبي للشباب بمثابة ورشة عمل ترفد الساحة الفنية الإماراتية بالمواهب الشابة، وننتظره بشغف في كل عام لتقديم تجاربنا المسرحية، لذلك اقترح أن يتم رفع سقف الأعمار المشاركة من 35 إلى 40 عاماً في دوراته المقبلة، كما أتمنى فتح باب الجوائز لجميع الجنسيات المقيمة على أرض الإمارات، ما يخلق تنافساً أعمق وأقوى، ويسهم في تطوير المهرجان من حيث الرؤى المختلفة والثقافات المتباينة التي ستعرض ما عندها على الخشبة.

نسج الأحداث بالأزياء

قالت الممثلة الشابة هيفاء العلي، التي تعدّ من الشخصيات الأساسية في العرض لـ«الإمارات اليوم»: «لعبت دور أم البطلة (فرح)، التي تعدّ من الشخصيات الرئيسة في العرض، والتي احتاجت مني إلى مجهود كبير لفك رموز النص وتحويله إلى أفكار واضحة استطيع نقلها إلى المتلقي، فصعوبة النص فرضت علينا جميعاً كفريق عمل أن نغوص أكثر بين السطور ونبحث في ما بينها، لذلك كانت بروفات الطاولة وسيلتنا للوصول إلى غايتنا، وهي ترجمة النص بطريقة سهلة تخاطب العقول وتخطف الأبصار وتجذب القلوب».

وأضافت: «اجتهدنا جميعاً، وحاول كل منا أن يخرج ما بداخله من طاقة إبداعية، وحاولنا تسخير كل اأدوات من ملابس وديكورات وماكياج ومؤثرات الصوت والإضاءة، لأكمال الصورة وإخراج العرض بصورة تناسب النص الغني الثري بالمعاني والمفاهيم الفلسفية، التي تسرد حكاية الموت والحياة والصراع بينهما». وأوضحت العلي: «كوني مصممة الملابس الخاصة بالعرض، فقد ألقى ذلك على عاتقي مسؤولية مضاعفة، فحاولت أن أجعل كل قطعة ملابس يرتديها أبطال العرض تنطق بمعنى أو فكرة، ما يسهم في إيصال رسالة النص المسرحي بالأداء والشكل والحركة، لذلك حرصت أن تكون ملابس (فرح) بطلة العرض عبارة عن ثوب زفاف أبيض، كونها فتاة في مقتبل العمر كانت تخطط مع حبيبها لبناء عشهم الهادئ، يغطي اللون الرصاصي الباهت أجزاء منه ليعبّر عن وحدتها، ومرور فترة زمنية طويلة عليها حبيسة جدران بيتها بجانب الأموات، إضافة إلى اختيار اللون الأسود المغطى بالأخضر لملابس الأم المتوفاه، والألوان الداكنة لثوب الحبيب، لتعبّر عن الحزن وانبعاث رائحة الموت، فحاولت أن تترجم الأحداث بلغة الألوان، واحتاج ذلك منها التفرغ إلى أكثر من 60 يوماً للخروج بتصميمات أزياء العرض».

الموت والحياة

قال كاتب العمل هزاع البراري، لـ«الإمارات اليوم»: «إنه راض على ما قدمه أبطال ومخرج عمل زمن (اليباب من الشباب)، الذي التمس بهم الموهبة الحقيقية، شاكراً الظروف التي سمحت له قيادة مغامرة مع شاب في باكورة أعماله الإخراجية»، مؤكدأ أن الكتابة تفرض على الكاتب أن يكون أنانياً، ولكن المسرح يفرض على كل عناصره العمل الجماعي والالتزام بروح الفريق الواحد، فإذا كان النص المسرحي بحراً فالمخرج يعدّ قبطاناً يستطيع أن يأخذ منه ما يريد، ويأتي مخرج آخر برؤية مغايرة فيتطرق إلى زوايا جديدة تجاهلها أو أغفلها من سبقه. وأضاف البراري: «نحن في زمن أصبح يعيش الأحياء حياة الموتى، أكثر من الأموات أنفسهم، فمن يتوفى يفقد علاقته بالحياة، لكن يظل الأحياء أصدقاءه وأقاربه وأبناءه على علاقة دائمة بالموت عبر الحزن والشجن واستعادة الذكريات، وجاءت زمن اليباب لتركز على هذه الفكرة، بعد أن أصبح الموت كثيفاً في كل الدول العربية يحصد المئات يومياً، ما أدى إلى تغيّر الصور الجمالية التي كان يعتمدها الكاتب في الماضي، فإذا كان البحر في السابق يشير إلى مكان لقاء العشاق، ففي زمن اليباب أصبح الوحش الذي يبتلع يومياً عشرات اللاجئين».

وأكد البراري أن المسرح مازال يعاني أزمة نص، كنتيجة مباشرة لقلة كتابه بفعل التوجه الكبير إلى الرواية والسينما، مرجعاً ذلك لعدم وصول المسرح إلى الجماهيرية المطلوبة، وحصره في تظاهرات ومهرجانات موجهة إلى نخبة معينة من المتلقين.

سالم السويدي:

• «تركت الحكم للجمهور الذي تفاعل مع العرض، ولم أخش الاتهام بالسوداوية».

هيفاء العلي:

• «حاولت أن أجعل كل قطعة ملابس يرتديها أبطال العرض تنطق بمعنى أو فكرة».

هزاع البراري:

• «المسرح يفرض على كل عناصره العمل الجماعي، والالتزام بروح الفريق الواحد».

طباعة