من ندى الماضي

بين الفاضل.. والناقص

«تأملت كل ما دون السماء، وطالت فيه فكرتي، فوجدت كل شيء فيه من حي وغير حي من طبعه إن قوي أن يخلع على غيره من الأنواع هيأته، ويلبسه صفاته، فترى الفاضل يود لو كان كل الناس فضلاء، وترى الناقص يود لو كان كل الناس نقصاء، وترى كل من ذكر شيئاً يحضّ عليه، يقول: «أنا أفعل أمر كذا وكذا، وكل ذي مذهب يود لو كان الناس موافقين له، وترى ذلك في العناصر إذا قوي بعضها على بعض أحاله إلى نوعيته، وترى ذلك في تركيب الشجر، وفي تغذي النبات والشجر بالماء ورطوبة الأرض وإحالتها ذلك إلى نوعها، فسبحان مخترع ذلك ومدبره لا إله إلا هو».

ومن عجيب قدرة الله تعالى كثرة الخلق ثم لا ترى أحداً يشبه آخر شبهاً لا يكون بينهما فيه فرق. وقد سألت من طال عمره وبلغ 80 عاماً هل رأى الصور فيما خلا وشبهة لهذه شبهاً واحداً؛ فقال لي لا، بل لكل صورة فرقها.

رسائل ابن حزم الأندلسي.