الأفلام التجارية تختبر قدرتها على النجاح في أكثر الظواهر الجماهيرية تأثيراً

«مارفل» تستدعي أبطال الماضي إلى المستقبل«يوم الهلاك» في رهان جديد لصناعة حدث سينمائي عالمي

في ديسمبر المقبل ستعود شخصيات «المنتقمين» في مواجهة ضخمة تجمع أجيالاً مختلفة. أرشيفية

ثمة أفلام تصل إلى دور السينما، وثمة أخرى تصل قبلها إلى ذاكرة الجمهور، و«المنتقمون: يوم الهلاك» (Avengers: Doomsday) ينتمي، منذ اللحظة التي بدأ فيها الترويج له، للفئة الثانية، فالفيلم الجديد، وهو من إنتاج «مارفل استوديوز»، لا يدخل المنافسة بوصفه مجرد فصل إضافي في سلسلة أفلام الأبطال الخارقين، بل كاختبار واسع لقدرة السينما التجارية على إعادة إنتاج واحدة من أكثر الظواهر الجماهيرية تأثيراً في العقد الأخير.

وفي 18 ديسمبر المقبل، ستعود شخصيات «المنتقمين» إلى الشاشة في مواجهة ضخمة تجمع أجيالاً مختلفة من عالم «مارفل»، في وقت تتقاطع عوالم «إكس - مان»، و«فانتاستيك فور» وشخصيات مارفل الأخرى داخل حبكة ترتكز على مفهوم الأكوان المتعددة. وفي قلب هذا الاجتماع يقف وجه يعرفه الجمهور جيداً، لكن في موقع لم يتوقعه: روبرت داوني جونيور، الذي يعود هذه المرة في شخصية فيكتور فون دوم، المعروف بدكتور دوم.

المفارقة هنا ليست مجرد مفاجأة في اختيار الممثل. إنها واحدة من أكثر ألعاب مارفل ذكاء وخطورة في الوقت نفسه: وضع الممثل الذي جسّد توني ستارك - الرجل الحديدي، أحد الوجوه المؤسسة لعالم مارفل السينمائي، في مواجهة الأبطال الذين كان يقودهم سابقاً.

وعي جماعي

كان روبرت داوني جونيور أحد أهم مفاتيح صعود عالم مارفل السينمائي. فمنذ «الرجل الحديدي» 2008، تحول توني ستارك من شخصية في القصص المصورة إلى رمز ثقافي عالمي، وأصبح الممثل نفسه جزءاً من هوية المشروع السينمائي الذي قاد مارفل إلى مرحلة غير مسبوقة من النجاح الجماهيري.

ثم جاء «المنتقمون: نهاية اللعبة» - Avengers: Endgame) 2019) ليغلق دائرة عاطفية امتدت أكثر من عقد، لذلك فإن عودة داوني جونيور ليست عودة ممثل إلى امتياز سينمائي فحسب، إنها عودة وجه ارتبط في الوعي الجماعي لجمهور مارفل بفكرة البداية نفسها، لكن من الجهة الأخرى من الصراع.

ففي «يوم الهلاك»، لا يعود داوني جونيور إلى توني ستارك، وإنما يؤدي شخصية دكتور دوم، أحد أشهر أشرار عالم مارفل. وتمنح هذه المفارقة الفيلم طبقة إضافية من المعنى: الممثل الذي كان يمثل في الذاكرة السينمائية صورة البطل العبقري والمتمرد، يصبح الآن الشخصية التي تقف في مركز التهديد.

ولأن «مارفل» تدرك أن «يوم الهلاك» لا يحتاج إلى أسماء ضخمة أمام الكاميرا فقط، بل إلى مخرجين قادرين على إدارة هذا العدد الهائل من الشخصيات، أعادت الأخوين أنتوني روسو وجو روسو إلى مقعد الإخراج.

العودة ليست عادية، فالأخوان روسو هما مخرجا «المنتقمون: حرب اللانهاية» (Avengers: Infinity War) و«المنتقمون: نهاية اللعبة» (Avengers: Endgame)، وهما الفيلمان اللذان شكلا ذروة مرحلة كاملة في مشروع مارفل السينمائي.

ويحمل ذلك دلالة واضحة: مارفل لا تحاول تقديم قصة جديدة فقط، وإنما تستدعي الفريق الذي سبق له أن نجح في تحويل التعقيد إلى فرجة جماهيرية، وفي إدارة عشرات الشخصيات داخل سرد واحد من دون أن يفقد الفيلم مركزه العاطفي.

المهمة أكثر تعقيداً

إذا كان «نهاية اللعبة» قد وصل إلى الجمهور بعد سنوات من البناء المتواصل، فإن «يوم الهلاك» يأتي إلى عالم أكثر ازدحاماً وتشعباً، تتداخل فيه الأفلام والمسلسلات والشخصيات والأكوان الزمنية والبديلة.

فلم يكن نجاح «نهاية اللعبة» مرتبطاً بقوة خصمه وحدها. فقد أمضت مارفل سنوات في بناء شخصية ثانوس، إلى أن أصبح ظهوره النهائي نتيجة طبيعية لمسار طويل.

ويمنح اختيار دكتور دوم، مارفل فرصة لإعادة صياغة مفهوم الشر في عالمها السينمائي، بعد سنوات من التهديدات الكونية والصراعات المرتبطة بالأكوان المتعددة.

لكن الاختبار الحقيقي لن يكون في قوة الشخصية، بل في قدرة السيناريو على جعلها مقنعة ومخيفة وذات حضور درامي، لا مجرد ذريعة لجمع أكبر عدد ممكن من الأبطال.

الأمس واليوم

يبدو «يوم الهلاك» وكأنه مشروع مبني على فكرة واحدة شديدة الوضوح: لا شيء من تاريخ مارفل أصبح بعيداً تماماً عن إمكانية العودة. لهذا يجمع الفيلم شخصيات من عصور مختلفة، بينها شخصيات مرتبطة بـ«المنتقمين» و«فانتاستيك فور» و«إكس - مان»، في عملية عبور بين العوالم أصبحت ممكنة داخل مفهوم الأكوان المتعددة. وتضم قائمة المشاركين أسماء مثل كريس إيفانز، وكريس هيمسورث، وبيدرو باسكال، وفانيسا كيربي، إلى جانب روبرت داوني جونيور، في واحد من أوسع تجمعات الشخصيات التي عرفها عالم مارفل.

وهنا تتحول الفكرة من مجرد «فيلم أبطال خارقين» إلى محاولة لاستعادة تاريخ كامل من الأفلام والشخصيات في لحظة واحدة، لكن هذه القوة تحمل خطراً موازياً: فكلما اتسع عالم الفيلم، أصبح من الصعب الحفاظ على التوازن بين الشخصيات، وكلما ازداد الاعتماد على ذاكرة الجمهور، ارتفع احتمال أن تتحول القصة إلى معرض للحنين بدلاً من أن تكون حكاية جديدة.

كيف تقنع المشاهد؟

ربما تكمن أصعب مهمة أمام «يوم الهلاك» في محاولته السير في الطريق نفسه الذي جعل «نهاية اللعبة» ظاهرة جماهيرية، من دون أن يكون مجرد نسخة منها، كان «نهاية اللعبة» خاتمة. وكان الجمهور يعرف أن رحلة شخصيات أحبها طوال سنوات تقترب من نهايتها. كان هناك إحساس بالفقد والوداع وإغلاق فصل تاريخي، لذلك تحولت مشاهدة الفيلم إلى طقس جماعي، وخرجت لحظاته من الشاشة إلى النقاشات العامة والثقافة الشعبية.

ولهذا على «يوم الهلاك» أن يقنع الجمهور بأن ما سيحدث أمامه ليس مجرد استعادة لصور قديمة، وإنما بداية مرحلة تستحق المتابعة.

مارفل اليوم لا تواجه مشكلة في امتلاك الشخصيات. لديها عدد هائل منها، ولا تواجه مشكلة في استعادة النجوم. فقد أثبتت «يوم الهلاك» أنها قادرة على إعادة أسماء كبيرة إلى عالمها. المشكلة الحقيقية هي: كيف تجعل الجمهور يهتم؟


السؤال المنتظر

عندما يصل «المنتقمون: يوم الهلاك» إلى دور السينما، لن يكون السؤال الحقيقي: مَن سيظهر في الفيلم؟ فالقائمة أصبحت طويلة، لدرجة أن المفاجأة لم تعد في عدد الأسماء.

والسؤال الأصعب سيكون: هل تستطيع «مارفل» أن تمنح كل هذه الشخصيات سبباً حقيقياً للاجتماع؟ وهل تستطيع أن تجعل عودة روبرت داوني جونيور أكثر من مجرد لحظة تصفيق؟ وهل تستطيع تحويل دكتور دوم إلى شخصية يتذكرها الجمهور، ليس بوصفها «الرجل الحديدي الشرير»، وإنما بوصفها أحد أعمدة المرحلة الجديدة؟

تويتر