«امرأة في الانتظار» و«مجرد نفايات» يحاكمان القمع بأشكاله

احتفاء عميق بالإنسان في ثاني أيام «الفجيرة للمونودراما»

صورة

لايزال الماضي يفرض نفسه على عروض هذه الدورة من مهرجان الفجيرة للمونودراما. الشكل السردي الحكائي لبشر جاؤوا يروون لنا سيلاً من المواجع والتجارب السوداوية هو السمة الغالبة على أغلبية النصوص مع اختلافات مرتبطة في العقلية التي تقف خلف النص. إضافة إلى أن الوجع النسوي الذي لايزال مهيمناً على ما عرض حتى يوم أول من امس.

لعبة سردية

يستند عرض «امرأة في الانتظار» إلى لعبة سردية شديدة الخصوبة والتنوع. الحكاية ذات مرجعيات عدة، تختلط فيها الطقوس، والرموز، والأوجاع، والذاكرة التي تلتقط التفاصيل البسيطة لتنسج منها متعة خاصة. وعلى الرغم من حجم الوجع الإنساني الذي يقدمه لنا هذا العرض، إلا أنه يحتفي بهذه المواجع من خلال جعلها انتصاراً دامغاً للروح البشرية المتمسكة بالحياة بآمال قلما تخذل أصحابها رغم طول الزمن وصعوباته.

مستويات

البنية البصرية لعرض «مجرد نفايات» حاولت التأسيس لمستويات عدة قادرة على استيعاب تحولات العمل ومقولاته الكثيرة. لكننا في نهاية المطاف نصل إلى شكل مكشوف، خصوصاً بعد أن تتوضح لنا مفاصل الحكاية. هل يضعنا العرض أمام حتمية الاستسلام؟، هل ثمة يأس لا مفر منه؟ هل أن يتحول الإنسان نفسه إلى نفاية لا تختلف عن النفايات الأخرى هو الخلاصة؟ على هذا المنوال من الأسئلة يضعنا العمل في حيرة من أمرنا خصوصاً نهايته.

نسوية

لا يمكن تجاهل القيمة النسوية في هذا العمل. المرأة فيه هي المقوم الأساسي والمنطلق الأقوى لجميع التداعيات. هذه الاحتفائية بالمرأة التي تصنع الحياة وتنتقل فيها المواجع من جيل لآخر. الممثلة تعيد حياة أمها في قدرية وسياق تاريخي قاسٍ، يقتنص فيه الناس أفراحهم كضوء بسيط وسط كل هذا العتمة.

عروض اليوم

تتواصل اليوم عروض فعاليات الدورة السادسة من مهرجان الفجيرة الدولي، حيث تعرض في تمام السادسة المسرحية الأردنية «عشيات حلم» تأليف مفلح العدوان وإخراج فراس المصري، تمثيل أريج الجبور، ومن أستراليا تعرض عند الثامنة مسرحية «نساء مدانات» تأليف وتمثيل جولانتا جوز كيو يتش، وإخراج أناتولي فروزين.

بين جنوب إفريقيا وسلطنة عمان تنقل جمهور وضيوف المهرجان لحضور عرضين غلبت عليهما السوداوية. آلام العنصرية والعنف السياسي والنفسي، كانا جوهر العملين اللذين افترقا في آلية التعاطي مع التجربة المؤلمة، حيث بدا العرض العماني أكثر ميلاً إلى الاعتراف بالهزيمتين الجسدية والنفسية، ومضى في سلسلة من المحاكمات الذاتية والأخلاقية، في الوقت الذي كان العرض الجنوب إفريقي محتفياً بالوجع ومحولاً الذاكرة المتعبة إلى تمسك بقدرة الإنسان على الصمود مهما كانت مسيرة الآلام طويلة ومريرة.

جاءت المؤلفة والممثلة الجنوب إفريقية، ثيمبي جونز، محملة بطاقة إنسانية وإبداعية فريدة؛ كمن يحمل ضوءاً في عتمة تجربة على درجة كبيرة من الغنى والإلهام. الوقت الذي عاشه الجمهور معها في ثاني أيام عروض المهرجان، كان فرصة للتعرف إلى قامة فنية، وتجربة شديدة العميق والتأثير على مستويات عدة.

لم يكن في هذا العرض، الذي حمل عنوان «امرأة في الانتظار»، أي شيء مهمل أو مجاني. كل ما فيه مدروس، ومتماسك، ومصنوع بحرفية عالية. كان العرض ينمو ويكبر على الخشبة وفق لعبة مدروسة، تتقاطع فيها التفاصيل، تتفرق، وتتحد، لا يتغلب فيها عنصر على آخر. كنا أمام لعبة بنائية متماسكة ومدروسة بين السرد والتعبير الفني والأداء الجسدي.

في هذا العرض أيضاً، ثمة امرأة تبوح بأوجاع كثيرة، لكن هذه الأوجاع لم ُتعرض لنا بغرض استجداء التعاطف، أو تمارس علينا وصاية من نوع ما. كنا فقط أمام إنسانة شديدة الوعي بتجربتها، تصفها وتقودنا إلى السنوات الكارثية خلال فترة الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. الحكاية في هذا العرض تقدم لنا درساً في آليات مختلفة وعميقة لبناء نص مسرحي تتعمم فيه القيمة المعرفية من خلال كل تلك الأحاسيس المختلطة بين الصالة والحكاية، وليس من خلال إحالات وعظية. نحن هنا إمام امرأة تعتز بوجعها وتدافع عنه على الرغم من كل الأذي الذي تعرضت له طوال حياتها.

يستند عرض «امرأة في الانتظار» إلى لعبة سردية شديدة الخصوبة والتنوع، الحكاية ذات مرجعيات عدة، تختلط فيها الطقوس، والرموز، والأوجاع، والذاكرة التي تلتقط التفاصيل البسيطة لتنسج منها متعة خاصة. وعلى الرغم من حجم الوجع الإنساني الذي يقدمه لنا هذا العرض، إلا أنه يحتفي بهذه المواجع من خلال جعلها انتصاراً دامغاً للروح البشرية المتمسكة بالحياة بآمال قلما تخذل أصحابها رغم طول الزمن وصعوباته.

لا يمكن تجاهل القيمة النسوية في هذا العمل، المرأة فيه هي المقوم الأساسي والمنطلق الأقوى لجميع التداعيات. هذه الاحتفائية بالمرأة التي تصنع الحياة وتنتقل فيها المواجع من جيل لآخر. الممثلة تعيد حياة أمها في قدرية وسياق تاريخي قاسٍ، يقتنص فيه الناس أفراحهم كضوء بسيط وسط كل هذا العتمة.

القيمة الفنية الممتعة في هذا العرض أن عناصره المادية، كالديكور مثلاً، نراها تتأسس على الخشبة بطريقة عضوية وكأنها تخرج من الحكاية وتعود إليها. لا تحمل المستخدمات في العرض معنى ثابتاً ونهائياً، هي أيضاً مطواعة وحميمة وتحمل ذاكرتها وسياقها الخاص. وفي لحظات عدة كانت الخشبة تنقسم إلى سلسلة من العوالم، خصوصاً في اللحظات التي تعقدت فيها خيوط الحكاية، وتنوعت فيها العوالم، لتصير هذه المستخدمات معادلاً للمعنى، فستان الأم العملاق على سبيل المثال، الذي أعطانا مقاربة لها علاقة بالزمن، ثم تحول لاحقاً إلى معادل لنظرة البنت إلى أمها خلال تعرضها للتعنيف من سيدتها. جوهر هذا العرض المميز أنه يقدم لنا احتفائية بالموروث والذاكرة والحياة، لا يتبرأ من الوجع ولا يهدف إلى وضعنا أمام رثائية، إنه احتفاء عميق بالحياة ومواجع التجربة الإنسانية.

العرض العماني «مجرد نفايات» استطاع أن يقدم لنا فرجة مسرحية تبحث في قضية إنسانية كبيرة. الخيانة الإنسانية هي المحور الجوهري لبنية هذا العرض الذي كتبه قاسم مطرود، وأخرجه خالد العامري، وجسده باقتدار عبدالحكيم الصالحي. في هذا العرض نعيش صراعاً وجودياً على مستويين: خارجي تسير وفقه الحكاية، وداخلي يرصد لنا ذلك الوجع الإنساني العميق لرجل، أو يمكن القول بقايا رجل، قادته البنية القاسية لنظام سياسي إلى مراحل متقدمة من التيه والبحث عن خلاص يبدو في كثير من الأحيان مستحيلاً. يجادل هذا العرض الكثير من الأفكار والمقولات، ويتناغم بشكل كبير مع وضع عربي راهن. خصوصاً لناحية تسلط الأجهزة الأمنية، وقدرتها غير المحدودة على تغير مصائر وحيوات أناس لمجرد تعبيرهم عن رفضهم لواقع ما.

على الرغم من أن العمل يروي وفق منظوره الحكائي العام حكاية تقليدية عن المعتقل السياسي. إلا أنه لا يدور في فلك هذه الحكاية، بل يمضي نحو سبر عميق لعلاقة الإنسان مع نفسه. يبحث في الأنانية الفردية التي يمكنها أن تجعل الإنسان قادراً على فعل أي شيء مقابل البقاء على قيد الحياة. إنها بكل بساطة حياة مقابل حياة أخرى، لكنها هنا حياة الأخ وليست أي شخص آخر. الصراع في هذا العمل ليس فقط مع قوى خارجية أو مع زمرة تتحكم في المصائر، بل هي صراع مع الشر الكامن في النفس البشرية. بطل هذا العرض قدم جهداً كبيراً لتجسيد تلك الحالات النفسية المتنوعة التي يرتحل فيها العمل. نحن أمام صدام متنوع المستويات. وأمام إنسان محطم يروي لنا تلك الحكايا، ويخضع نفسه لسلسلة محاكمات قاسية تشبه في كثير من الأحيان جلد الذات على أخطاء وخيبات وجودية عميقة. وعلى خط موازٍ لكل هذه الارتحالات الحكائية كانت لعبة الديكور مناسبة لجملة التحولات على المستويين النفسي والمكاني.

سنكون طول فترة العرض وكأننا نسير على حافة الانهيار. عالم نفسي قابل للانهيار في أي لحظة، بعد سلسلة من الانهيارات العامة المتعلقة بالعائلة والحياة الشخصية التي تسكنها هي الأخرى ازدواجية عميقة. كل شيء في هذا العرض هو نفايات، أو بقايا أشياء. وعلى الرغم من تلك السوداوية التي تفرض نفسها على مفاصل العرض إلا أنه لا يخلو من سخرية دامغة من بطولات ورقية نقرأها ونكتبها.

البنية البصرية للعرض حاولت التأسيس لمستويات عدة قادرة على استيعاب تحولات العمل ومقولاته الكثيرة. لكننا في نهاية المطاف نصل إلى شكل مكشوف، خصوصاً بعد أن تتوضح لنا مفاصل الحكاية. هل يضعنا العرض أمام حتمية الاستسلام؟ هل ثمة يأس لا مفر منه؟ هل أن يتحول الإنسان نفسه إلى نفاية لا تختلف عن النفايات الأخرى هو الخلاصة؟ على هذا المنول من الأسئلة يضعنا العمل خصوصاً نهايته. وعلى جميع الأحوال فإن عرض «مجرد نفيات» قدم لنا فرجة ممتعة مقترنة بمقولة كبيرة.

 

 

 

طباعة