اختار الطبيعة بوابة لأفكار ترصد عالماً كاملاً من التحولات
من اليرقة إلى الفراشة.. توم براون يروي حكاية أزياء من عالم الحشرات
في عالم توم براون لا تصل الأزياء إلى المنصة منفصلة عن الحكاية، بل تأتي غالباً مصحوبة بمشهد كامل يمنحها معنى إضافياً. وفي عرضه الجديد في نيويورك، اختار المصمم الأميركي الطبيعة بوابةً إلى عالم من التحول، فبدت المنصة كأنها مسرح لدورة حياة تبدأ باليرقة، وتمر بالشرنقة، وتنتهي بالفراشة، بينما تتخذ الملابس نفسها هيئة هذا التحول وتفاصيله.
وجاء العرض في «ذا شِد»، مختتماً أسبوع نيويورك للموضة، وفي قلب المكان ظهرت شرنقة عملاقة تتفرع حولها أوراق وأغصان خضراء، لتصبح عنصراً مركزياً في السرد البصري للعرض. وبدأ المشهد بمجموعة من اليرقات التي تتحرك حول الشرنقة، قبل أن تنسحب تدريجياً ويبدأ ظهور المجموعة، وصولاً إلى عودة الشخصية التي دخلت الشرنقة في هيئة فراشة ملونة.
ولم يكن اختيار الحشرات مجرد فكرة للديكور، بل تحول إلى لغة تصميمية امتدت عبر الملابس. ظهرت الفراشات والنحل وحشرات أخرى فوق سترات التويد، وعلى الأكتاف المحددة، كما دخلت أجنحتها في أنسجة بعض القطع بحيث تمتد الرسومات من الأمام إلى الخلف، لتبدو الملابس وكأنها تحمل حركة الحشرة نفسها.
الخياطة أولاً
رغم هذا العالم الخيالي، ظل توم براون وفياً للعنصر الذي رسّخ اسمه في عالم الموضة: الخياطة الدقيقة والمنضبطة. فالسترات والبدلات لم تفقد بنيتها الصارمة، بل أصبحت بمثابة الهيكل الذي حمل فوقه المصمم عالم الحشرات والنباتات.
وهنا تكمن إحدى أبرز مفارقات المجموعة، فبراون لم يتخلَّ عن الشكل الرسمي لمصلحة الطبيعة، وإنما وضع الاثنين في مواجهة واحدة. أكتاف محددة، قصّات ضيقة، سترات ذات حضور معماري، وتكوينات دقيقة، تقابلها فراشات ونحل ويعاسيب وخنافس، لتتحول البدلة من قطعة رسمية إلى سطح سردي تتحرك عليه عناصر الطبيعة.
وتشير هذه المعالجة إلى الطريقة التي يتعامل بها براون مع مفهوم الزي الرسمي، فهو لا يهدم القاعدة بالكامل، وإنما يعيد صياغتها من الداخل، ويستخدم التغيير في النسب والتفاصيل والخامات لإنتاج صورة تبدو مألوفة في البداية، قبل أن تكشف عن طبقات أكثر غرابة وتعقيداً.
من الزهرة إلى الخنفساء
بدأت الإشارات إلى عالم الطبيعة في بعض الإطلالات بصورة هادئة نسبياً. ظهرت زهرة الأقحوان مطرزة على واجهة إحدى السترات، بينما استقرت نحلة فوق الزهرة، كما دخلت اليعاسيب في نقوش معاطف ذات مربعات متدرجة. لكن المجموعة سرعان ما انتقلت من الإشارة المباشرة إلى معالجة أكثر تركيباً. وفي بعض القطع، استخدم براون تقنيات الترقيع ثلاثي الأبعاد لبناء أشكال مستوحاة من أصداف الحشرات وأجسامها. ظهرت نقاط الخنافس وأنماط الخنافس والهيئات العضوية على تنانير ذات أحجام بارزة، فيما تحولت عيون الحشرات وأجزاء أجسامها إلى تفاصيل على صدور ضيقة ارتُديت فوق قمصان ذات قصّات مفتوحة وربطات عنق نحيلة.
كما ظهرت قطع أكثر تجريداً، بينها قمصان مشدودة وتنانير ضيقة جرى تشكيلها بطيات هندسية معقدة تستحضر بنية جسم اليرقة وفتحاتها التنفسية، ليصبح التجعيد والطَيّ جزءاً أساسياً من البناء، لا مجرد إضافة زخرفية.
بين الصرامة والخيال
تبدو المجموعة، في جوهرها، محاولة للموازنة بين عالمين: الانضباط الذي تمثله الخياطة، والحرية التي تمثلها الطبيعة. وهذا التوتر هو ما يمنح الإطلالات قوتها البصرية، فكلما بدت القطعة أكثر انتظاماً في بنيتها، ظهرت عليها تفاصيل أكثر تحرراً وخيالاً.
وقال براون إن فيلم الرسوم المتحركة «A Bug’s Life» كان أحد مصادر الإلهام وراء المجموعة، وهي فكرة امتدت أيضاً إلى مجموعة الرجال التي قدمها في ميلانو في يونيو الماضي. وأوضح أن الهدف كان إدخال عنصر اللعب حتى لا تصبح المجموعة شديدة الجدية.
وبذلك لا تبدو الحشرات في عرض نيويورك مجرد موضوع جمالي، بل جزءاً من عالم قصصي متكامل يستخدم المرح والغرابة لإعادة تقديم الخياطة بطريقة مختلفة.
التويد يتحول إلى لوحة
احتلت خامات التويد مساحة بارزة في المجموعة، خصوصاً في السترات التي حافظت على هندستها التقليدية، قبل أن تتحول إلى أرضية لتطريزات ورسومات الحشرات. وفي هذه القطع تحديداً، تظهر براعة براون في جعل الخامة جزءاً من الفكرة، فسطح السترة لم يعد مجرد نسيج، بل أصبح مساحة تتفاعل فيها الخياطة مع التطريز والرسوم والملمس. وتؤكد صور المجموعة الرسمية وجود 57 إطلالة، ما يعكس اتساع الفكرة وتنوع الطرق التي عالج بها المصمم مفهوم التحول.
خروج محسوب
وعلى مستوى الألوان، لم يترك براون عالمه المعروف من دون مرجعية، فقد حافظت المجموعة على قاعدة من الأبيض والرمادي والكحلي، وهي ألوان تتناغم مع عالمه في الخياطة، قبل أن تدخل عليها درجات أكثر حيوية مستوحاة من الحديقة وعالم الحشرات، بينها الأخضر والأصفر والوردي وألوان باستيلية أكثر إشراقاً.
هذه الألوان لم تكن منفصلة عن الفكرة، بل أدت دوراً في الانتقال من عالم الشرنقة المغلق إلى عالم الفراشة المفتوح. وهكذا يصبح اللون نفسه جزءاً من سردية التحول، إلى جانب القصّات والتطريزات والخامات.
خاتمة الحكاية
في نهاية العرض اكتملت الحكاية عندما عادت الشخصية التي ظهرت في الشرنقة إلى المنصة في صورة فراشة ملونة. وهنا التقت الفكرة المسرحية بالملابس في لحظة واحدة: اليرقة، الشرنقة، الحشرة، ثم التحول إلى شكل جديد.
لكن العرض لم يقدّم التحول باعتباره خروجاً كاملاً من الماضي، فالخياطة ظلت حاضرة حتى النهاية. وهذه ربما أهم نقطة في مجموعة توم براون الجديدة: التغيير لا يأتي عبر التخلي عن الهوية، وإنما عبر إعادة تشكيلها.
وبينما اختار مصممون كثيرون عبر تاريخ الموضة الطبيعة مصدراً للزخرفة، تعامل براون معها هنا كمنظومة كاملة، لها دورة حياة وحركة وبنية، ثم نقل تلك العناصر إلى الملابس من خلال التويد والتطريز والطيات والهندسة والنسب.
وبهذا اختتم توم براون أسبوع نيويورك للموضة بعرض لا يكتفي بتقديم مجموعة جديدة، بل يحول المنصة إلى حكاية بصرية عن التحول، حكاية تبدأ في الظلام داخل الشرنقة، وتخرج منها أزياء تجمع بين صرامة البدلة وخفة الفراشة، وبين هندسة الخياطة وفوضى الطبيعة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news