«عجايب» من مصر و«طائر» من السودان و«كامب العراق» في اليوم الرابع

المسرحيون العرب منقسمون بيـن «14 و8 آذار»

العرض المسرحي كان مفاجئاً ولا يليق بتاريخ المسرح العربي. الإمارات اليوم

لم يسلم ضيوف مهرجان المسرح العربي الثالث في بيروت من عدوى الأوضاع السياسية الساخنة في لبنان، وإلى حد برزت انقسامات واصطفافات واضحة بين من يؤيد فريق 14 آذار المتمثل في تيار المستقبل، وفريق 8 آذار المتمثل في «حزب الله». استقالة وزراء فريق 8 آذار أول من أمس، ومن ثم إعلان الرئيس اللبناني ميشيل سليمان إقالة الحكومة، أخذت حيزاً كبيراً من الجدل الدائر بين المسرحيين العرب في لبنان، لكن في نهاية المطاف يظل لبنان وحيداً، أو كما يقال «كل يغني على ليلاه، ولبنان على ليله يغني».

وعلى جميع الأحول تبدو المسافة بين مسرحي «بابل» و«المدينة» قصيرة نسبياً، لكنها كافية لأحاديث متداخلة عن العرض المصري «عجايب» الذي لم يترك مجالاً للجمهور الكبير الذي حضره إلا أن يخرج متسائلاً: هل وصل حال المسرح المصري إلى هذه الدرجة؟ ألا توجد في «أم الدنيا» تجربة مسرحية تليق بها وبتاريخها المسرحي؟ ليس في هذا الكلام قسوة بقدر ما هو توصيف دقيق لما حدث، وعلى الرغم من أن هذا العرض حاول رصد حال المثقف في ظل الأنظمة المتعاقبة، إلا أن النوايا الطيبة لا تصنع مسرحاً.

المسرحية المصرية لم تكن زوادة جمهور وضيوف المهرجان، بل كانت هناك إشراقة عراقية قدمها مخرج شاب استطاع أن يقدم عرضاً لافتاً ومستفزاً بعنوان «كامب»، في هذا العرض بدا جلياً ذلك الجهد المبذول وصولاً إلى فرجة تحمل الكثير من مواقع القوة والتجريب والاكتشاف.

وفي الوقت الذي حاولت فيه الفرقة القومية للتمثيل في السودان أن تقدم نفسها بشكل لائق ومحبب من خلال عرض حمل عنوان «طائر الصدى المفقود»، إلا أنها تعثرت أمام نص صعب المراس كتبه عثمان جمال الدين، فطغى النص على الفرجة، وبدا المخرج عالقاً بين أدوات غير مقنعة للخروج بعرضه الذي كان بحاجة إلى أجساد شابة مرنة أكثر من التي كانت على الخشبة، مع كل الاحترام للممثلين القديرين موسى الأمير، وعبدالحكيم الطاهر.

«عجايب»

أراد هذا العرض لفرقة مسرح الطليعة التابع لوزارة الثقافة المصرية أن يتعقب أزمات المثقف المصري مع جميع الأنظمة، والتحولات السياسية والاجتماعية التي عايشتها مصر منذ بدايات القرن الماضي، لكن هذه القصة التي كتبها عاطف النمر سرعان ما تحولت إلى ما يشبه المسلسل التلفزيوني الرديء. قصة حب بين فقير وابنة باشا، ومن خلال قصة الحب هذه وتجلياتها نرتحل بين الأزمنة والتحولات وصولاً إلى النهاية التراجيدية التقليدية المتمثلة بالموت. الوقوف أمام هذا العرض يستدعي بالضرورة الحديث عن وجود فهم خاطئ للعبة المسرحية القائمة على الاكتشاف والتجريب، وتقديم اختبارات لأدوات جديدة، لكننا في هذا العمل وجدنا أنفسنا أمام لوحات متعاقبة من السرد والحوارات النمطية لتلخيص علاقة المثقف بالسلطة، وربما أخد النص المخرج سامح بسيوني إلى مناطق لايريدها، فكانت الفرجة بأكملها تتعقب النص بأمانة مفرطة وبدت الحلول الإخراجية رد فعل على حوارات النص، وليس إعادة بناء بصري على الخشبة، باستثناء مشاهد قليلة مثل مشهد التحقيق الذي قدم لنا فيه بسيوني معالجة مقنعة، إضافة إلى لعبة الضمير والعاطفة، وبطبيعة الحال فرضت حوارات النص نفسها على الممثلين الذين بذلوا جهداً كبيراً، لكنهم ظلوا في مواقع كثيرة في حدود الأداء التلفزيوني الذي أشرنا إليه سابقا.

 

«كامب»

فاكهة اليوم الرابع من أيام هذا المهرجان كان العرض العراقي الذي حمل عنوان «كامب» لجماعة المسرح التجريبي. في هذا العمل للمخرج الشاب مهند هادي بدا المسرح حاراً ومساحة للشغف والحب والصراع، وجاء الديكور البسيط والذكي ليكون عنصرا داعما لبنية نص عبثي متشابك العناصر، يروي أوجاع العراق من دون أي نواح أو فجائعية، على الرغم من حجم الأسى الكبير في تفاصيل العمل. ميزة هذا العرض تكمن في حجم الاشتغال الذي بذله المخرج مقدماً حلولا بصرية غنية بالتفاصيل الصغيرة التي صنعت في النهاية لعبة متماسكة العناصر، مضبوطة الإيقاع، من دون أن يطغى فيها عنصر على آخر، لتتحول المساحة الضيقة للعمل، التي لم تأخذ أكثر من بضعة أمتار من الخشبة، إلى مساحة كبيرة قابلة لاستيعاب التحولات المعاقبة والسريعة في الأزمنة والأمكنة والتواريخ، التي تسير في خط واحد يروي آلام الشعب العراقي، انطلاقاً من لقاء شخصيتين عراقيتين على أبواب سفارة ما، أو مكتب للأمم المتحدة.

قدم عرض «كامب» تاريخا مُمسرحا، وواقعيا إنسانيا مكتوبا بلمسات فنية قاتمة تحكي حكايات عراقية ساخنة، وموحشة، وعنيفة بَعْثَر المخرج علاماتها بمسحة جمالية وظيفية، ليرتبها في ما بعد أثناء تأثيث مضمون طروحاته للعمل، فقام بتشكيل وجود واقع عراقي اختلطت فيه الأوراق، وحكمت الحتمية التاريخية على مصير شخصيات العرض المستمدة من الواقع، فصار المكان، والزمن، واللونان الأبيض والأسود، والحقائب، والانتظار، والسفر، وعمليات استنطاق المتهمين جامع كلام العرض بمفردات فنية مرسومة بمفارقات اللونين الأبيض والأسود، فتحوّلت هذه المفردات إلى رموز تراجيدية فقدت وجودها، وفقدت مبررات حياتها بعد أن تعرضت للتفكيك، والتشويه، والهدم نتيجة صراع سياسي عنيف، أراد أن يستبدل حضارة بحضارة، ويغير وجود إنسان بآخر، ويستبدل تراثاً بآخر، ويبدل علاقات موجودة بأخرى مغايرة تسهم في أن تبدل الاستقرار بالفوضى، وترسي حالات التبعثر على أنقاض الانسجام الذي كان، وكأن من هذا الاختلاط والفوضى سيتولد واقع جديد بألوان جديدة لا يتذوق متعتها المرّة، ولا يفهم مغزاها وعمقها البئيس إلا من اكتوى بنار التحول المأساوي الذي لحق بالمكان، والزمان، والتاريخ، والذاكرة العراقية ليقبلها، أو يرفضها كما في حالات، ومواقف «هو» الذي لعب أدواره حسن هادي، و«هي» التي لعبت أدوارها نغم ناعسة، ثم لبوة صلاح، وهم الذين لعب أدوارهم كل من ببال نبيل، ورؤى خالد، وعلي جبار.

«طائر الصدى»

لم يختلف جمهور العرض السوداني «طائر الصدى المفقود» الذي عرض على مسرح بيروت على أنهم كانوا أمام تجربة «لطيفة» ومحفوفة بالأمل. الصدق الذي كان على الخشبة انتقلت عدواه إلى الجمهور الذي تفاعل مع عرض ليس لنا أن نصفه بالمهم والمتفرد، بل هو محاولة لم تخلُ من ميل واضح من قبل المخرج إلى تقديم صياغات وتأويلات بصرية نجح المخرج في بعضها، وأخفق في أماكن كانت تتطلب تركيزاً على الإمساك بآليات الترميز الموسيقي واللوني، إضافة إلى حركة الممثل التي كانت ترتبك وتبدو عاجزة عن نقل المعنى الحقيقي للحالة.

الطائر السوداني يحلّق بنا في فضاءات مركبة وعميقة، ولا نبالغ في القول إن المخرج عادل حربي كان أمام مهمة ثقيلة آتية من ثقل النص المركب والحافل بالرموز والإشارات، في لحظات كثيرة يتشظى النص ليصير عبثاً، ثم يعود لينتظم في سياق فكري مركز، قبل أن يمضي إلى التاريخ والفلسفة والاسقاطات المتتالية. من خلال قصة بسيطة عن عدد من الممثلين الذين يختفي عرضهم قبل لحظة من فتح الستارة، وبذلك يضعنا المؤلف أمام مسرحية خارجة من مسرحية أخرى. المخرج حربي استطاع في مواقع كثيرة أن يمسك بهذا النص الصعب، وفي مواقع أخرى كان يلجأ إلى إحالات لونية وموسيقية بدت غريبة، وفي أماكن اخرى لم يستطع الممثل الإمساك باللعبة والحلول التي رسمها المخرج، خصوصاً حين نكون أمام مشاهد كانت تتطلب بعض الحركات الجسدية القائمة على المرونة والمهارة الجسدية. في هذا العرض لم يوفّق المخرج في ضبط جميع عناصره في سياق واحد، بمعنا إن نظرنا إلى العمل بعد تفتيته إلى مشاهد منفصلة يمكننا العثور على لحظات مسرحية على درجة من الجمال والخصوصية، أما من خلال نظرة كلية فسنجد حالة من الضعف في علاقة جميع هذه العناصر ببعضها لناحية الإيقاعات المتفاوته والانتقال بين المشاهد وصلاً إلى حالة الالتباس بين النهاية الافتراضية والحقيقية للعمل. ولكن بصورة عامة استطاع هذا العرض أن ينقل انطباعاً إيجابياً ومُرضياً للجمهور الذي غصت به القاعة.

طباعة