«عماء» أبيض في عالم أسود

جوليان مور تقود العميان. آوت ناو

الإشارة حمراء، بعد ذلك خضراء، ومن ثم حمراء، وهكذا لكن أحدهم ما عادت سيارته تتحرك، لقد أصيب فجأة بالعمى، ولا نفع من أي شيء إلا أن يقود سيارته شخص آخر يقله إلى بيته ومن ثم يسرقها، هذا الذي أصابه العمى سيذهب برفقة زوجته إلى طبيب عيون، ولدى هذا الطبيب مرضى آخرون، سيهتم بفحصهم أيضاً، وغير ذلك من حلقة تتسع رويداً رويداً ونحن نشاهد فيلم (عماء) جديد المخرج البرازيلي فرناندو ميراليس المأخوذ عن رواية شهيرة للبرتغالي الحائز على جائزة نوبل للآداب خوسيه ساراماغو.

من هذه البداية نكتشف أن كل من ورد ذكرهم سيصابون بالعمى، الذي سيكون من نوع خاص، ذلك أن المريض يرى أمامه صفحة بيضاء، عكس العتمة التي تسكن عيون من يصيبهم العمى، ولدى انتشار تلك الظاهرة يجري الحجر عليهم، بوصفهم المجموعة الرئيسة في الفيلم والتي سنتعقب مصيرها إلى النهاية، فطبيب العيون (ماركو رافلو) الذي يصاب بالتأكيد بهذا المرض العجيب، تبقى زوجته (جوليان مور) الإنسان الوحيد الذي لا يصاب بهذا المرض، أي تبقى مبصرة، إلا أنها تمضي معه إلى الحجر ممثلة أنها أصيبت بهذا العمى، وعليه نكون تحت مفارقة عجيبة، جميع من حولها عميان وهي الوحيدة المبصرة.

يمضي الفيلم إلى داخل المكان الذي يعزل فيها المصابون بهذا المرض، ويبدأ في بناء العلاقات الاجتماعية بين البشر وفق ظرف جديد، له أن يكون بداية جديدة للبشرية، لكن بشرية عمياء، لن تجد طريقها لتحقيق أي شيء، ستكون حاجات البشر الرئيسة مشقة ما بعدها مشقة، سيمتلئ المكان بالأوساخ والمخلفات، ستعم الفوضى كل شيء، وستكون زوجة الطبيب وحدها الشاهد على ذلك، وبما أنهم معزولون تماماً عن كل ما يحيط بهم واتصالهم الوحيد هو تلقي الأطعمة من جنود يحاصرونهم بالأسلحة.

أمام هذا الظرف ستحضر الملكية، سيكون على أحدهم أن يستعبد الآخرين، وهذا ما يحدث، بمجرد أن يمتلك أحدهم مسدساً، وبسلطته يحتكر الطعام ويصير على الآخرين أن يقدموا له كل ما لديهم من أجل أن ينالوا حصتهم، وصولاً إلى طلبه من المهاجع التي صارت تحت سلطته أن يقدموا نساءهم له مقابل الطعام، وهذا ما يحدث، إلى أن تقوم زوجة الطبيب بقتله كونها المبصرة الوحيدة، ومن ثم تثور المهاجع على الديكتاتور المقتول وزمرته ولتنتهي تلك الثورة باحتراق كامل المبنى الذي يجمعهم، ولتكتشف بعد ذلك زوجة الطبيب أن الحراس ذهبوا وان الأبواب لم تعد مقفلة وبإمكانهم مغادرة المكان، وليكتشفوا أن العماء قد أصاب جميع البشر، والمدينة صارت مدينة أشباح لا تبصر، تتصارع على الأكل وكل شيء معطل ومتوقف ومهجور، والكلاب تنهش الجثث.

النهاية التي يصل إليها الفيلم تضيء قدرة البشر على التأقلم، الاحتفاء بالحياة رغم كل شيء، ومعاناة زوجة الطبيب الدفينة وتحول قدرتها على النظر إلى عبء تنوء تحته.

طبعاً كما سبق إيراده على هذه الصفحة أن إقناع ساراماغو بتحويل روايته إلى فيلم استغرق من ميراليس خمس سنوات، وقد وافق الكاتب البرتغالي بعد مشاهدة فيلمي ميراليس المميزين «مدينة الله» و«البستاني المخلص»، موافقة كانت مشروطة بألا يكون الفيلم هوليوودياً، ولعل في ذلك خوفاً مشروعاً لأن تتحول روايته إلى فيلم خيال علمي من النوع التجاري، وهذا ما كان ميراليس حريصاً على ألا يقع به، فالفيلم مسكون بجماليات خاصة، والأبيض المهيمن يحاول أن يضعنا في قلب ما يراه المصابون في هذا العماء، ولعل الفيلم بصرياً مأخوذ تماماً باللعب ضمن هذه المساحة، مضافاً إليها المرايا وما ينعكس على سطحها، ولعل عناصر المفاجأة في الفيلم كانت تأتي دائماً من اللقطة واللعب على اللون الأبيض، كما أن التشويق في الفيلم لم يأتِ من انعطافات حادة أو مبالغات، بل كان يمضي في سرده البصري على قدر واحد من التحفيز المتواصل وعلى درجة واحدة محكمة.

طباعة