مستلهَم من أفلام السبعينات

    «أنكت جيمز».. آدم ساندلر يتألق في أفضل شخصية مقامر

    صورة

    قليلة هي الأفلام التي تركز على عقلية شخصية المقامر المدمن، وعواطفه المتباينة بين التوتر والانفعال والابتهاج وتدمير الذات. لو عددناها في العقود الخمسة الماضية، فلن نجد كثيراً، لدينا «سينسناتي كيد» 1965 و «راوندرز» 1998، وفيلمان عام 1974 هما «كاليفورنيا سبليت» و«المقامر».

    نضيف إلى هذه القائمة فيلم Uncut Gems لجوش وبيني سافدي، الموجود على «نتفليكس»، وهو من أكثر الأفلام تعمقاً في عقلية وسلوك المقامر، وهو فيلم سريع ومروع وحركي لا يهدأ، ومدعوم بأداء فعال ونشط ورائع من آدم ساندلر.

    في الحقيقة أداء ساندلر في دور تاجر مجوهرات شره في نيويورك، الذي أمضى معظم حياته المهنية محاولاً التغلب على المراهنين، يرقى إلى أداء كل من ستيف مكوين في «ذا سينسناتي كيد» وإدوارد نورتون ومات ديمن في «راوندرز»، وجورج سيغال وإليوت غولد في «كاليفورنيا سبليت» وجيمس كان في «المقامر».

    وقد يكون هذا أفضل أداء له على الإطلاق والأفضل في 2019، ويستحق أوسكار أفضل ممثل، لكن اسمه لم يظهر في الترشيحات التي ذهبت لأسماء غير مستحقة كما عودتنا الأكاديمية الأميركية للعلوم السينمائية، خصوصاً في السنوات الأخيرة.

    فيلم Uncut Gems، ويترجم «أحجار كريمة خام»، يصنف في أربع خانات، فهو نفسي تشويقي، وكوميديا سوداء، ودراما عائلة مفككة، إضافة إلى دراسة سلوك شخصية مدمن. تسيطر على الفيلم نبرة تتسم بالعجلة، فالكاميرا تلاحق ساندلر من بداية الفيلم إلى نهايته. وهذه النبرة مستلهَمة بشكل كبير من أفلام مارتن سكورسيزي في السبعينات، ولا غرابة فاسم الرجل يظهر في خانة الإنتاج لهذا الفيلم.

    هذه قصة رجل في حالة قلق دائمة بسبب العوامل المحيطة من حوله، التي صنعها جميعاً بنفسه، فهو يقيم علاقة خارج إطار الزواج مع موظفة في محله، ويعيش هاجس أن تكشفه زوجته. مطارد من قبل عصابات المراهنات التي اقترض منها، والتي تغير عليه وتوسعه ضرباً كلما تأخر في سداد ديونه. كما يعيش هاجس الإخفاق في عقد صفقات تجارية، ويخيل للمشاهد أنه سيغمى عليه نتيجة تراكم تلك العوامل التي جعلت من حياته جحيماً لا يطاق.

    تدور أحداث الفيلم عام 2012 في مدينة نيويورك، نرى هاورد راتنر (ساندلر) بنظارة تعكس الإضاءة من حوله، وذقن غير حليقة، وسترة جلدية، لا يتردد في التعبير عما يجول في خاطره. سواء كان في محله - خلف طاولة المعروضات، يمسك بقطعة منحوتة مخيفة ترصعها المجوهرات ويستخدمها لأغراض الدعابة لتهدئة الأوضاع مع زوجته دينا (إيدينا مينزل)، أو عشيقته جوليا (جوليا فوكس)، أو للتفاوض مع زبائن - أو للمماطلة مع عصابات المراهنين، المهم أن الرجل مطارد بشكل أو بآخر.

    اختيار عام 2012 ليس مصادفة، بل جزء مكمل للقصة، وذلك ليسمح للاعب كرة السلة الأميركي، كيفن غارنيت، المتقاعد منذ 2016، بالعودة لتمثيل شخصيته في ذلك الوقت، وهو كان نجماً مهاجماً لفريق بوسطن سيلتكس. غارنيت، الذي انتقل من مدرسة فاراغوت في غرب شيكاغو، لينضم للرابطة الأميركية لكرة السلة، كان أحد ألمع نجوم اللعبة. وفي الفيلم نجده يؤدي نفسه بشكل حسي جداً وأخاذ، وهذا أفضل أداء تمثيل واقعي لشخصية رياضية حقيقية في تاريخ السينما المعاصر.

    يصل حجر كريم خام متلون من منجم في إثيوبيا (مشهد المقدمة)، إلى هاورد الذي يظن أن قيمته تصل إلى مليون دولار عندما يسجله في صالة مزاد. وعندما يزور غارنيت وحاشيته محل هاورد أثناء وجود الفريق في المدينة للعب ضد المضيف، يُغرم غارنيت بالحجر الكريم، ويطلب من هاورد أن يستعيره لبضعة أيام مقابل رهن خاتم بطولة الرابطة.

    يخوض غارنيت مباراة حامية معتقداً أن الحجر الكريم لديه قوى سحرية تجلب الحظ السعيد للاعب، وبالتالي الفوز في المباريات. ويقرر الاحتفاظ به مدة أطول، بالمقابل يأخذ هاورد - الذي لا يقل جنوناً عن غارنيت، وغير قادر على السيطرة على حياته، وعاجز عن التغلب على إدمانه المراهنة، خاتم البطولة الخاص باللاعب - ويرهنه بمبلغ ضخم مشروط بفوز فريق غارنيت أي سيلتكس. بالإضافة إلى المراهنة على اللاعب نفسه وتسجيله أهدافاً. لو نجحت المراهنات سيتحرر هاورد من ضغوط حياته وشبح الإفلاس، ولو فشلت فهو ميت.

    الأخوان سافدي من أتباع مدرسة «قذف الصدمات في وجه المشاهد»، وهذا وصف لأسلوبهما وليس وصفاً رسمياً لطريقة سينمائية. أحياناً يشعر المشاهد بدوخة أثناء متابعة أحداث الفيلم، هناك نوع من الفوضوية المتعمدة التي لن يطيقها البعض، في هذا الفيلم تغوص الكاميرا داخل أعماق منجم ألماس، ثم تغوص داخل حجر كريم، وتنتقل إلى قولون هاوارد وتخرج من شاشة مراقبة في غرفة عمليات يرقد فيها بطل القصة لفحص قولونه.

    هذان المشهدان المتتاليان تحديداً لهما معنى واضح، دخول الكاميرا داخل الحجر الكريم وخروجها من أحشاء هاوارد دلالة على تأثير الأحجار الكريمة في نفسيات البشر، وقدرتها على تغذية الجشع المتأصل في الإنسان والذي دائماً وأبداً يأخذه إلى الهلاك.

    وكأن الأخوين سافدي يذكراننا بعبارة وولتر هيوستن، الذي يؤدي شخصية اسمها هاوارد أيضاً في رائعة ابنه جون هيوستن الشهيرة «كنوز سييرا مادري» عام 1948، عندما قال: «أعرف ما يفعله الذهب بأرواح البشر».

    المشهد يمتد ولو بشكل غير عضوي إلى غارنيت، الذي انبهر بالحجر الكريم فور أن وقعت عليه عيناه، وطلب الاحتفاظ به لفترة ليجلب له حسن الحظ، كلها رموز تدل على الانبهار البشري بالمادة والرغبة في الاستحواذ عليها، الذي يكاد يكون روحانياً من شدته.

    الحوارات متداخلة، يعني أكثر من شخصية تتحدث في وقت واحد، كما يحدث في أفلام روبرت ألتمان، الذي يطلب من ممثليه الخروج عن النص قدر المستطاع والارتجال. كما تبدو طريقة التصوير والألوان بشكل عام كأنها مستلهمة من أفلام السبعينات. هذا الفيلم ممتاز ويستحق المشاهدة، ويسجل عودة قوية لآدم ساندلر بعد عقد من الإخفاقات.

    لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.

     


    أحياناً يشعر المشاهد بدوخة أثناء متابعة أحداث الفيلم، هناك نوع من الفوضوية المتعمدة التي لن يطيقها البعض.

    هذا الفيلم ممتاز ويستحق المشاهدة، ويسجل عودة قوية لآدم ساندلر بعد عقد من الإخفاقات.

    طباعة