أفضل فيلم قتالي هذا العقد

«جون ويك 3» يتربَّع على عرش سينما «الأكشن»

صورة

هل شاهدت فيلماً بدأ بلا قصة، ثم ألَّف قصة، ثم سخر من نفسه لأنه بلا قصة، وفي الوقت نفسه هو أفضل فيلم أكشن في هذا العقد؟ هل شاهدت فيلماً بدأ من قصة كلب ثم فتح عالماً من العصابات والمافيات، بكل ما في ذلك العالم من تعقيدات وقوانين خاصة لم نرها في السينما قط؟ هل شاهدت فيلماً بلا مصدر اقتباس يتفنن يقول بكل سخرية وفخر أنا أفضل فيلم أكشن؟! هذا بالضبط تعريف جون ويك!

لو قلت ليست هناك حكاية تذكر سنقول لك إنها موجودة، قل إن الفيلم سطحي وتافه، وسنقول إنه تربع على العرش بلا منازع يذكر، قل إن الفيلم يكرر نفسه وسنقول لك هو الأفضل! جون ويك يتحدى أن تبرز عيوبه ولن تجد شيئاً! هذا الفيلم عبقري مهما رأيته تافهاً، هذا الفيلم أسطوري مهما رأيته عادياً، هذا الفيلم كله تاريخ وأعاد كتابة التاريخ بأسلوبه وقال من مستعد للمبارزة، فخجل المنافسون فنصَّب نفسه ملكاً! نعم هذا الفيلم بلا مصدر ولا فكرة ولا إلهام ولا شيء يذكر!

جون ويك لنوعين من المشاهدين: الأول يدفع ثمن التذكرة لأنه يريد مشاهد أكشن أو قتال أصيل ولا تهمه القصة، والثاني يشاهده ليقرأ تاريخ سينما الأكشن في ثنايا لقطاته. أما إن كنت تبحث عن قصة غزيرة التفاصيل فانصرف لمشاهدة لعبة العروش، واترك عنك جون ويك.

يبدأ John Wick 3 - Parabellum أو «جون ويك 3: الاستعداد للحرب» في اللحظة التي انتهى فيها سابقه، لا يضيع وقتاً ولا ثرثرة، نرى القاتل المأجور الجريح المغدور به ويك (كيانو ريفز مشرق النجومية وفي أكثر أدواره ظلامية والأفضل له على الإطلاق) يهرب من مطاردة قتلة نيويورك المأجورين، الذين أبلغهم وينستون (إيان مكشين في أفضل مشاهده في سلسلة جون ويك) مدير فندق كونتيننتال مقر القتلة والمجرمين بأمر المكافأة المطلوبة (14 مليون دولار) لقتل ويك، بعد أن قتل زعيم المافيا الإيطالية على أرض الفندق في تحدٍّ صريح لسلطة الطاولة العليا التي تحكم شؤون عالم العصابات والإجرام وانتهاك كبير لقوانين الفندق. يركب ويك سيارة وينزل منها لتظهر خلفه صورة بستر كيتون بطل أفلام الأكشن في الحقبة الصامتة، وواحد من إلهامات هذه السلسلة، مشهد لو غفلت عنه ثانية واحدة لفاتك!

ثم يدخل ويك مكتبة نيويورك العامة ليبدأ أول مشهد قتالي في الفيلم، مشهد افتتاحي رائع ورهيب لم نرَ له مثيلاً، مشهد يتغزل بالأفلام التي يشير إليها وينحني لها إجلالاً، مشهد تحية لسينما هونغ كونغ واعتذار من المخرج تشاد ستاهلسكي لتلك السينما أن هوليوود لم تعطها قدرها في التسعينات، ستاهلسكي يسخر من نظام استوديوهات هوليوود ويلومها على تخليها عن القدير جون وو الذي رحل بعد أن ضيقت عليه هوليوود مواردها، وألزمته بنظام عقيم أنتج أفلام أكشن بائسة.

يقتل جون ويك أول رجل يصل إليه بكتاب! مشهد تعلم أنك بين يدي صانع أفلام يعرف كيف يؤلف عملاً مبدعاً ذا أسلوب بارع ورؤية ثاقبة. إذا استُخدم ما لا تتوقعه سلاحاً كسلاح، فاعلم بأن المشهد متناسق مع شخصية فيلم أكشن لأن المرجو تحقيقه هنا هو ظرافة وغرابة بلا منطق لا يصدقها عقلك، ولا يمكن أن تبدر إلا من شخصية تخلو من الصفات البشرية، وهذه بالضبط شخصيات أفلام الأكشن منذ الحقبة الصامتة. ولو استخدم ويك مسدساً لفسد المشهد وذهب الفيلم طي النسيان.

عانت سينما الأكشن الأميركية في العقد الماضي تحديداً، بعد فيلم «إنذار بورن النهائي» 2007. وبدأ ركود شديد تميز بأفلام هابطة اتجه معظمها إلى أسواق الفيديو مباشرة. وكانت الأفلام وقتها تعتمد على اللقطات القريبة والعنف والقطعات السريعة، التي تستخدم لإخفاء العيوب، إذ ليس البطل محترفاً، وليس المخرج ذا رؤية، وليس مصمم حركات القتال متمكناً. كان الهدف وقتها صنع إثارة فقط.

جاء جون ويك عام 2014، وكانت الجماهير تتوقع فيلم أكشن عادياً، لكن الفيلم كان مميزاً لأبعد الحدود لأنه بلا قصة! فيلم عاد إلى الأساسات والجذور واستمد قصته من مشاهد القتال نفسها. مشاهد قتالية مزينة بأضواء نيون زرقاء ووردية، وبطل بوجه بلا مشاعر ولقطات قتالية متوسطة أو عريضة تكشف كل تفاصيل عملية القتال. النتيجة كانت إيقاعاً متناسقاً وبطل منظم الحركات إلى درجة أن القتال ظهر أقرب إلى رقص وهو ليس برقص! وتحول القتال إلى فن لأن المخرج ستاهلسكي مصمم لقطات قتالية قبل أن يكون مخرجاً، ومطلع على تاريخ سينما القتال.

نجح الفيلم وحقق شعبية عالمية وانتعشت سينما الأكشن، وجاءت المفاجأة بعد ثلاثة أعوام، إذ شاهد العالم جون ويك 2، وللمرة الأولى ظهرت القصة من العدم وحقق نجاحاً منقطع النظير، وظهرت سينما الأكشن الأميركية في حلة جديدة وأصيلة للمرة الأولى منذ الحقبة الصامتة. وعندما جاء الثالث كتب التاريخ وأصبحت السلسلة في أشد نضوجها وتربعت على العرش.

تشير سلسلة جون ويك إلى أفلام كثيرة أبرزها Enter the Dragon عام 1973 لبروس لي وذا ميتريكس تكريماً لبطله ريفز ومجموعة من أفلام الحقبة الصامتة وجاكي شان، وبالطبع الأهم سينما هونغ كونغ، خصوصاً مشاهد Gun Fu، كما ظهرت في فيلم جون وو الشهير A Better Tomorrow عام 1986.

تدرب ريفز على الجوجيتسو اليابانية والبرازيلية والجودو، وتدريبات خاصة على استخدام المسدس وإعادة تحميله بالرصاص، إلى درجة أن مدربه صرح بأن ريفز وصل مرحلة متقدمة جداً لم يسبقه أي ممثل إليها.

في أحد مشاهد الفيلم نرى ويك يقاتل بالتحالف مع كلاب، في تكريم واضح لكلبه المقتول في الجزء الأول، وإشارة للفيلم الأول وسخرية من فكرة ذلك الفيلم في آنٍ واحد، وهذه العبقرية بعينها عندما يفعل فيلم كل هذه الأشياء في مشهد واحد ويبقى الأفضل.

جون ويك الثالث أفضل من الثاني، والأخير أفضل من الأول. جون ويك 3 أفضل فيلم في السلسلة، وأفضل فيلم أكشن في هذا العقد. وهذه أول سلسلة أفلام قتالية يرتفع مستواها مع كل فيلم، وترفع معها سقف المنافسة في كسر واضح لقاعدة أن الأجزاء التالية أقل مستوى من الأصلي.

يشهد تاريخ السينما أن كيانو ريفز قد يكون أول ممثل يصنع ثلاثيتي أكشن ناجحتين: الأولى ذا ميتركس (1999 - 2003)، والثانية جون ويك، علماً بأن القصة لم تنتهِ لأن المغدور به جون ويك أشار لحليفه الملك باوري (لورنس فيشبورن، وهو حليفه في ذا ميتريكس أيضاً) أنه سيعود للانتقام. ألم نقل لكم إنه فيلم أسطوري! هذا الفيلم ممتع ورائع ورهيب، وتحفة سينمائية من الطراز الرفيع، ويستحق المشاهدة والتأمل.

لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.


فيلم بدأ بلا قصة، ثم ألَّف قصة ثم سخر من نفسه، لأنه بلا قصة وفي الوقت نفسه هو أفضل فيلم أكشن في هذا العقد.

الفيلم ممتع ورائع ورهيب، وتحفة سينمائية من الطراز الرفيع، ويستحق المشاهدة والتأمل.

طباعة