فيلمان في قصور الرئيس السابق

صدام حسين على أعتـاب السينما العراقية

في «الرحيل عن بغداد» يمتزج الوثائقي بالروائي. أرشيفية

تغدو الشخصيات التاريخية معبراً كاملاً لحياة جمعية، لمفاصل تاريخية لها أن تطال جميع من كان في متناول تلك الشخصية، وعلى مساحة لها أن تتخطى خارطة البلد الذي تنتمي إليه هذه الشخصية، إلى ما يؤثر في أحيان كثيرة في العالم أجمع. ولعل أي مقاربة خارجية لن تتخلى عن صفة كونها لمراقب ثمة مسافة تفصل بينه وبين من يقاربه، الأمر الذي يحمل خصوصيته، مثلما هو من كان ضحية تلك الشخصية بشكل مباشر ودفع أثمان أخطائها الموصوفة بالتاريخية، وللتوضيح أكثر فإن من يقارب ديكتاتوراً وقد عاش تحت سطوة تلك الديكتاتورية، سيستخدم أدوات مغايرة عن تلك التي يستخدمها من يقرأ عنها أو يتلقى نتائج تلك الديكتاتورية بطريقة غير مباشرة.

الحديث هنا سيكون عن صدام حسين، وكيف لفيلمين عراقيين أن يقاربا هذا الرجل الذي كان، ولايزال، على مقدرة تاريخية استثنائية في امتداد وتواصل نتائج ما ارتكبه في حق شعبه وشعوب أخرى، وصولاً إلى المصير التراجيدي الذي لم يتحقق إلا على يد الغزاة.

بالانتقال إلى الفيلمين فإن التقديم السابق المتمثل بتقسيم المقاربات إلى خارجية وداخلية، يسعى إلى أن الأهمية الأولى التي سنركز عليها هنا ستكون متمثلة بأن كلا الفيلمين لمخرجين عراقيين، الأول بعنوان «المغني» لقاسم حول، والثاني «الرحيل عن بغداد» لقتيبة الجنابي، وكلاهما يتحركان تحت جناح الرئيس العراقي الأسبق، الأول بطريقة مباشرة وبتجسيد لشخصيته، بينما الثاني فمعني بسرد قصة ومصير من كان المصور الشخصي للرئيس وهربه من بغداد إلى صقيع أوروبا الذي لن يرأف به.

نبدأ مع فيلم قتيبة الجنابي «الرحيل عن بغداد» حيث المساحة متروكة تماماً لامتزاج الوثائقي بالروائي، والمقاربة هنا ستكون على شيء من اجتراح فيلم روائي مهما كلف الثمن، والذي سيكون ثمناً زهيداً، بمعنى أن الفيلم مصنوع بميزانية منخفضة، والحلول بعيدا عن التبرير محكومة بهذه الحقيقة الفاقعة، وعليه يُصنع في الفيلم تحالف في السرد بين الشخصية الرئيسة والصور الأرشيفية لصدام حسين، طالما أن الفيلم هو عن قصة هرب المصور الشخصي للرئيس، وبالتالي فإن الذاكرة التي تحملها الشخصية هي ذاكرة فوتوغرافية وفيلمية، وبالتالي فإن ما تستعيده ستتم مؤازرته بصور حقيقية، ومقاطع من أفلام فيديو جرى تصويرها لمناسبات خاصة للرئيس كأعياد ميلاد أحفاده وما إلى هنالك، وليمسي الأمر تصاعدياً، بمعنى أن هذا الأرشيف سرعان ما ينتقل إلى حفلات من نوع آخر، حفلات التعذيب ومن ثم القتل بطرق مبتكرة.

يبدأ الفيلم مع المصور صادق (صادق العطّار) وينتهي به، والفيلم في النهاية متمحور حول عنوانه، ومن البداية فإن صادق سيكون في مكالمة هاتفية مع زوجته في لندن، ومن خلال هذه المكالمة سنفهم بأنه ما عاد قادراً على مواصلة حياته في بغداد، وعليه فإنه سيهرب منها، وهذا ما سيفعل، وليتحرك الفيلم وفق ثلاث مفردات، متمثلة بالقطارات ومن ثم الرسائل، وصولاً إلى المدن، وعلى شيء يجعلنا نقول مثلاً، إنه فيلم طريق، لكن بين المدن والعواصم، وفعل الرسائل التي سيكتبها إلى ابنه الغائب، ليس إلا أداة استعادية لممارسات الرئيس وأعوانه حيث يكون «الانسرت» وثائقياً، والمبرر الدرامي لذلك هو ذاكرة صادق نفسه، الذاكرة المليئة بالمشاهدات والفظائع، التي ستحضر في الفيلم بينما صادق في هرب متواصل والخوف يمضي جنباً إلى جنب معه، بما يجعل الخوف الرفيق الوحيد لسفره، الخوف من أن يقتل، الخوف الذي سرعان ما يكون تمهيداً للنهاية التي أراد قتيبة الجنابي أن تكون صادمة، سواء من خلال المصير الذي يلقاه صادق، أو عبر المصير الذي نال من ابنه، حيث الرسائل التي يكتبها الأب إلى ابنه ستكون بمثابة مذكرات، كونها رسائل لن تصل الابن، أو بمعنى آخر ما من مرسل إليه، واكتشاف ذلك سيكون بمساحة كبيرة من المأساة التي عاشها ويعيشها الأب، كونه سيكون كما سنكتشف في النهاية مصوراً لمقتل ابنه على يد رجال النظام، لا بل إنه سيكون سبباً في وصول ابنه إلى ذاك المصير.

فيلم «الرحيل عن بغداد» وضمن البنية المتقشفة التي تمت صياغته به، سيكون منجزاً على أفضل ما يمكن، ولعله قد يتبدى فيلماً وثائقياً، أضيفت إليه عناصر روائية، لها أن تتناغم وسرده، محققاً ضمن تلك المعطيات وعاء درامياً بسيطاً محاطاً بالوثائقي، بهدف الوصول إلى نهايته الصادمة.

بالانتقال إلى فيلم «المغني» فإن هذا الفيلم سيكون مدعاة للتوقف طويلاً، لا لشيء إلا لئلا يكون هناك من هكذا فيلم نشاهده، أو منطق على هذا النحو تتم من خلاله مقاربة تستدعي البحث عن توصيفات مبتكرة لها أن تكون مسرحية لا سينمائية، ولئلا نقول إن الأمر لا يتعدى مزحة مصورة، وليكون الرهان كل الرهان في الفيلم على تصوير ممارسات الرئيس وحاشيته مع من هم حاشيته أيضاً، وعلى شيء يتكئ أولاً على فداحة ما كانوا يقومون به، الأمر الذي عليه افتراضاً أن يدهشنا من دون السؤال عن الكيفية التي قدم بها ذلك، والمسح التجسيدي والمباشر لما له أن يكون تفتيشاً ذاتياً مهيناً كان يخضع له كل من سيحضر حفل عيد ميلاد الرئيس، وصولاً إلى الكاميرات المزروعة في كل مكان، وصولاً إلى مجموعة كبيرة من «الميلودراميات» المجوفة.

يفتقر فيلم المغني إلى ألف باء الفيلم، لا بل إنه وعلى مستويات عدة صالح لأن يكون مسرحية هزلية عن ديكتاتور قد تضحك أو لا تضحك، لا بل إن الأمر ايضاً يستحضر مجموعة من الأغاني يصدح بها المغني العراقي الذي يكون الحدث الوحيد الحاصل خارج أسوار قصر صدام حسين، ونحن نتعقب مسعاه للوصول في الوقت المحدد إلى القصر للغناء لسيادة الرئيس، وكيف تتعطل سيارته ويحمله السكان الذين يمر بهم، إلى أن يصل الحفل متأخراً، فيأمره الرئيس أن يغني هو وفرقته الموسيقية ووجهه إلى الحائط.

يفترض الفيلم أن تقديم ذلك كيفما اتفق سيضعنا نحن المشاهدين المساكين أمام شيء لا نعرفه، شيء خارق ربما من صلف الديكتاتور وجنونه، وإن كان الأمر لا يتعدى الفواصل التمثيلية، وليكون السؤال عن الكيفية مؤجلاً إلى ما لانهاية، لأن الإجابة الوحيدة ستكون: يا للكارثة إن كان هذا يسمى فيلماً!

طباعة