المرصد

«مبادرة الشبكة النظيفة»

أعلنت وزارة الخارجية الأميركية منذ أيام عن إطلاقها لما سمّته بـ«مبادرة الشبكة النظيفة»، لحراسة «خصوصية المواطنين والشركات الأميركية والمعلومات الحساسة من الاقتحام العدواني للفاعلين الأشرار».

اشتملت المبادرة، طبقاً لما هو منشور على موقع الخارجية الأميركية، خمسة محاور أساسية هي الدعوة إلى شبكة تقوم على، «حامل رقمي نظيف»، «أجهزة ذكية نظيفة»، «سحابة إلكترونية نظيفة»، «تخزين نظيف» و«كوابل نظيفة».

وبعيداً عن البروباغندا (الدعاية) التي أحاطت بالمبادرة، والتي جعلت وزير الخارجية مايك بومبيو يلقي أربعة خطابات متتالية بشأنها، وبعيداً عن الخوض في التفاصيل التقنية، فإن الواضح في المبادرة أن الصراع مع الصين، والتي ذكرتها المبادرة بالاسم في معظم البنود، وليس الدفاع عن نموذج أخلاقي، كما توحي كلمة «نظيفة» التي ذكرت في كل سطر، تحتل حيزاً أساسياً في المبادرة، كما أن مفهوم الأمن القومي الأميركي بمعناه التمددي يتم سحبه الى العالم الافتراضي.

وترجمت المبادرة نفسها على الأرض في مواجهات فورية مع «تيك توك» و«واي شات»، و«هاواي» و«علي بابا» و«بايدو» و«تينسيت»، بل وأعلنت عن اعتزامها حماية أبحاث لقاح

«كوفيد-19» الجارية حالياً، نموذجاً للدفاع عن أسرار الشركات التجارية الأميركية.

وكما هو متوقع، لم يستقبل الإعلام الأميركي المبادرة بارتياح، فاعتبرها موقع «إنترسيبت» مليئة بالنفاق، وسخرت صحف ومواقع من بومبيو وأطلقت عليه اسم «مستر كلين» أو «مسيو بروبر»، وهو شخصية كاريكاتيرية كانت تدعو للنظافة في الخمسينات، واعتبرت صحف أخرى أن التركيز الأميركي على شركات التكنولوجيا الرقمية الصينية أمر مبالغ فيه، كما اعتبرت ثالثة المبادرة ضربة لمبادئ التجارة الحرة التي تدعو اليها أميركا.

لكن الضربة الأشد جاءت للمبادرة من صحيفة «غلوبال تايمز» الصينية الصادرة بالانجليزية، والتي قامت بنشر فضائح البرامج التجسسية لوكالة الامن القومي الأميركي المسماة «ديرتبوكس» والتي تتجسس على المدنيين منذ عقد من الزمان، وتسطو على معلومات هواتفهم، كما نشرت أيضاً وثائق مسربة عن برنامج «بريسم» التجسسي الرقمي تكشف عن مشاركة «فيس بوك» و«تويتر» و«يوتيوب» وغيرها في البرنامج. الواضح أن الحرب الالكترونية العالمية تشتد، والعالم الرقمي يصبح مسرحاً للاستقطاب، بالذات الصيني الأميركي، ولن يكون فيه مكان إلا للأقوى، والأرجح أيضاً أن شكل العالم الرقمي الرومانتيكي يتغير شكلاً ومضموناً، وأن الشبكة قد تصبح شبكات، بعضها للتواصل وأخرى للتفاصل.

• يبدو من «مبادرة الشبكة النظيفة» أن مفهوم الأمن القومي الأميركي بمعناه التمددي يتم سحبه إلى العالم الافتراضي.

طباعة