المرصد

ترامب يريد صحافة حُرة خارج بلاده فقط!

لا أحد يعارض الدعوات إلى مزيد من حرية التعبير وزيادة هامش الحرية في الأوساط الإعلامية، لكن ما دعا إليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قبل أيام، أثار السخرية والكثير من علامات الاستفهام، إذ طالب بحرية الإعلام في إيران، وكشف الحقيقة وراء تحطم الطائرة الأوكرانية، وعدم قتل المتظاهرين.

وكان ترامب محقاً يوم الأحد عندما دعا الى حرية الصحافة في إيران، لكنه في الوقت نفسه ينتقد بلا هوادة وسائل الإعلام الأميركية، باعتبارها تروج «أخباراً مزيفة» وأنها «عدو للشعب». وحذر طهران، في تغريدة على «تويتر»، من «قتل المتظاهرين» وحثها على «السماح للصحافيين والمراسلين بالعمل بحرية»، وسط التظاهرات المستمرة بعد سقوط الطائرة الأوكرانية.

صحيح، سِجل إيران ليس حافلاً بالإنجازات في المجال الإعلامي، فهي من بين أكثر الدول قمعاً للصحافيين، منذ 40 عاماً، وتتحكم الحكومة في الإعلام بشكل مباشر، وتعرض فيها نحو 860 صحافياً أجنبياً ومحلياً، على الأقل، إلى الإيقاف، أو الاعتقال، أو الإعدام، من طرف النظام الإيراني ما بين 1979 و2019. وفي ظل مناخ إعلامي مراقب بشدّة فإنّ قمع الصحافيين مستمر؛ من خلال اعتقالات عشوائية، وأحكام مُشددة صادرة عقب محاكمات غير عادلة عن محاكم ثورية.

ومع ذلك، فإن دعوة ترامب لا تتسم بالنزاهة لأنه يطالب بحرية الصحافة خارج بلاده فقط. وهو يريد أن يتجوّل المراسلون بحرية في إيران، ولا يريدهم أن يعملوا بحرية في الولايات المتحدة، لأنه يقول للأميركيين إن الصحافة الحرة هي «عدو الشعب». إنها ازدواجية بالنسبة للكثيرين، لكن بالنسبة لترامب فهي مقتضيات المرحلة، التي تتطلب الولاء الكامل للرئيس المنتخب، مهما كثرت أخطاؤه.

وفي الوقت الذي يواجه فيه الصحافيون الأميركيون تحديات في التعامل مع رئيس متقلب المزاج، يجد الإعلاميون الإيرانيون أنفسهم في وضع لا يُحسدون عليه، إذ لا يستطيعون القيام بدورهم بشكل حر ومستقل، وأصبح الصحافيون الناشطون على شبكات التواصل في قلب المعركة من أجل إعلام حر، وتغيير سياسي في إيران.

دعوة ترامب لحرية الصحافة في إيران أثارت السخرية في أميركا، والانتقاد اللاذع في طهران. وانتقد مراقبون الرئيس لمطالبته نظاماً قمعياً بأن يحترم حرية الرأي والإعلام، في وقت يتم فيه التضييق على العمل الإعلامي في أميركا، التي تعتبر مهد الديمقراطية الحديثة.

وليس من الواضح، ما يريده ترامب من الدعوة الأخيرة، وما إن كان مهتماً فعلاً بمعرفة الحقيقة وكشفها أمام الرأي العام العالمي، أم هي مجرد مناورة لكسب التأييد في بلاده، في انتظار الفصل في مسألة عزله، ليستعد لخوض غمار انتخابات قد تبقيه في السلطة لولاية ثانية. ومهما يكن هدف ترامب، فإن مطالبته بحرية الصحافة في إيران، قد سلطت الضوء على تناقض ترامب وازدواجيته، من جهة، والوضع المُزري للإعلام في بلد عرف حضارة منذ آلاف السنين.

طباعة