المرصد

قصة مصطفى أبوتورتة

انشغلت مصر على مدى ثلاثة أيام بقصة تناقلها الناس على موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك»، عن شاب اختلف مع خطيبته، ففاجأها يوم خطوبتها بعدم دعوة أهله وأصدقائه، والادعاء بمرض خاله، وفسخ الخطوبة في الحفل، وأخذ كل شيء، بما في ذلك «تورتة الخطوبة»، بما جعل جمهور «الفيس» يطلقون عليه اسم «مصطفى أبوتورتة»

القصة كبرت بعد أن كتبت الخطيبة القصة بعبارات مؤثرة، موجهة خطابها إليه: «لماذا كل هذا؟ كان من الممكن أن تنتهي علاقتنا بالمعروف، من غير أذى نفسي لي، كان من الممكن أن تأتي وتقول لي ألغينا الخطوبة، لا أن تأتي وترقص وتعدني بمفاجأة، وأنت لديك النية لفعل ما فعلت. حسبي الله ونعم الوكيل. أنا لست غاضبة لفراقك، ولكن تصعب عليّ نفسي. لست حزينة على فراقك أصلاً، فأنت لا تستحق ذلك، لكن صعبت عليّ نفسي نتيجة ما حدث».

الخطيب «المفترض» اختفى لفترة من على الـ«فيس بوك»، وأوجد لفترة حالة تساؤل عند الآلاف: لماذا لم يرد؟ وعلى طريقة العروض المسرحية حين يظهر البطل في نهاية العرض. بعد أن أصبحت القصة ذائعة الانتشار، ظهر شخص على الـ«فيس بوك» قال إنه المشار إليه «مصطفى أبوتورتة». وقال إنه «لم يرد بوصف ذلك أمراً شخصياً». وأنه «نادم على معرفتها»، وأنه «أحبها ولكنها لا تستحق هذا الحب».

القصة بعد ساعات تطورت، إذ أعلنت أربع شركات مصرية عن تبرعها بأشياء ثمينة للفتاة تعويضاً عما جرى لها، من بينها شركة تبرعت بطاقم مجوهرات، واعتبرت آلاف الفتيات قضية الخطيبة المغدورة قضيتهن الشخصية، وأعلنت الفنانة أمينة، صاحبة أغنية «اركب الحنطور واتحنطر» تعاطفها مع الفتاة، وتبرعها بالغناء لها مجاناً في فرحها، ودخل أربعة فنانين، هم: محمد هنيدي، وكريم عبدالعزيز، وساندي، وإسعاد يونس، على الخط، حيث أطلقوا «افيهات» مضمونها أن «كل واحد يحرس تورتته»، وأطلق «هاشتاج» باسم «مصطفى أبوتورتة»، ومعه آلاف «البوستات» التي تهاجم الشاب، وأطلقت فتاة «هاشتاج» باسم «كلهم مصطفى أبوتورتة»، كنوع من تحويل القصة إلى معركة «جندرية» بين الفتيات والشبان، لتحكي كل فتاة عما نالها على طريقة حملة «أنا أيضاً» المواجهة للتحرش، كما استكتبت صحيفة خبيراً نفسياً ليكتب لها موضوعاً بعنوان «6 مؤشرات لمعرفة نية خطيبك»، واختلط الحابل بالنابل، خصوصاً بعد زعم فتاة أخرى أن «مصطفى أبوتورتة» خطيبها هي الأخرى.

أصبحت الإشكالية أمام الصحافي المحترف، في هذه القصة، وهي ستتكرر أو ما يشبهها بشكل شبه دوري، ماذا يفعل؟ هل الصحيح تجاهل القصة مهما ذاعت وانتشرت بوصفها تقريباً بلا مصدر واقعي يمكن الرجوع إليه، ومجرد «كلام فيس بوك»؟ أم أن هذا غير واقعي، بعد انتشار القصة وشغلها مواقع وصحفاً وفضائيات، وبعد أن تبارت وسائل الإعلام في نقلها، فأصبحت واقعاً فعلياً، بل أقوى من أي واقع؟ ماذا لو ثبت أن «مصطفي أبوتورتة» هو مجرد كذبة من أكاذيب الـ«فيس بوك»؟ وهل على الصحافي أن يتمسك بميزانه القديم، وهو أن الخبر هو ما أكده على الأقل أكثر من مصدر، وهو أيضاً كل ما هو قابل للتثبت؟ وماذا أيضاً لو ثبت أن الخبر واقع، رغم أن مصدره «الفضاء الإلكتروني» الافتراضي، ورغم أحادية مصدره، ورغم عدم قابليته للتثبت؟ وماذا لو ثبت أن الخبر مزيف، لكن ما تبعه من أخبار كتداعيات صحيحة، كأن لا يكون هناك «مصطفى أبوتورتة»، لكن هناك أربع شركات معتبرة تبرعت بالفعل بعد أن صدّقت القصة، أو أيضاً هناك تحليلات نفسية واجتماعية من قبل أخصائيين وبروفيسورات ناقشت هذه الفرضية؟

الأسئلة كثيرة، والصحافي المسكين في زماننا يدرك أن الزمن تجاوز كثيراً أدواته وكلاسيكيات كليات الإعلام، وأن القصة كلها متروكة لتقديره وخبراته وللفروقات الفردية.

طباعة