المرصد

نهاية الكاريكاتير السياسي

أصدرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية قراراً بوقف نشر الكاريكاتير السياسي على صفحاتها في الطبعة الدولية، بدءاً من يوليو 2019، تتمة لقرار سابق أصدرته بوقف نشر الكاريكاتير في طبعتها المحلية.

يجيء قرار «نيويورك تايمز» بعد سلسلة قرارات من صحف أميركية أخرى بالأمر نفسه، مثل صحيفة «بيتبورو بوست جازيت»، و«اريزونا كرونكل»، و«هيستون كرونيكل»، وغيرها، وقد تحول رسامو الكاريكاتير بفعل القرارات الجديدة، وتحت قانون أكل العيش، إلى رسامي قصص روايات أو حكايات أطفال بدور النشر، وهي مهنة جديدة، بغض النظر عما إذا كانت مربحة أو غير مربحة، يفتقدون فيها تحليقهم وجنونهم المستحب القديم.

متروك للقارئ العربي أن يتخيل القشة التي قصمت ظهر البعير في «نيويورك تايمز»، لأنها ستكون أول تخميناته، فهي بالطبع لا يمكن أن تكون رسماً انتقد شيئاً عربياً أو عالمياً، أو حتى أميركياً، ولا يمكن أن تكون سوى المساس بـ«البقرة المقدسة» في أميركا، أي السياسة الإسرائيلية، فالكاريكاتير الذبيح كان عبارة عن رسم للرئيس الأميركي دوناد ترامب، يجره فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كما يريد، وهو رسم يمكن أن يتهم صاحبه بكل التهم في الدنيا، لكن الغريب، وليس بغريب، أنه اتهم بـ«معاداة السامية».

كبير رسامي الكاريكاتير، الأميركي باتريك تشابانا، أصابه الجزع من القرار، فكتب مقالاً في «نيويورك تايمز»، قال فيه إنه على مدى 20 عاماً في «هيرالد تربيون» و«نيويورك تايمز»، وبعد تسلمه ثلاث جوائز في الكاريكاتير من نادي الصحافة الأميركي، تلقى القرار بحسرة، ويخشى أن تكون الهجمة موجهة ضد الصحافة، وحرية الرأي عموماً، وليس ضد الكاريكاتير.

مؤيدو القرار قالوا حججاً كثيرة عن نهاية عصر الكاريكاتير، بعضها غير مفهوم في ثقافتنا بدقة، مثل أنه يمثل نموذج «التنمر من طرف واحد»، أو يمثل «الذكورة السامة»، لكن المفهوم لنا بوضوح عربياً، بعيداً عن هذه اللوغاريثمات، أننا فقدنا أو على وشك أن نفقد صديقاً عزيزاً علينا، كان خيره علينا وعلى صحافتنا العربية بلا حدود، منذ مجلة يعقوب صنوع (أبو نظارة)، مروراً برسام الكاريكاتير الفلسطيني المبدع، الذي كان يرسم بدل الحروف سحراً، ناجي العلي، وشخصيته التي لا تنسى (حنظلة)، ووصولاً إلى رسام الكاريكاتير المصري مصطفى حسين، ورفيقه أحمد رجب، وشخصيات قاسم السماوي (وجاتنا نيلة في حظنا الهباب)، ومطرب الأفراح ومفارقات «الحب هو».

كان الكاريكاتير هو اللقطة الموجزة، ما قل ودل في التعبير الفصيح والصريح، والمخلص عن أوضاعنا السياسية والاجتماعية، ينطق جهراً بما تلف وتدور حوله عشرات المقالات والزوايا المولودة مخنوقة، ومربوطة بالقيود والموازنات، وكان قادراً على الوصول لمن لايزالون على الحدود بين الأمية وتعلم الأبجدية، وأيضاً إلى أبراج المثقفين جنباً إلى جنب مع من لايزالون يعانون الأمية الثقافية والسياسية.

قد يقول البعض إن موت الكاريكاتير، مجرد تقنين رسمي لوضع واقعي، بعد أن مات إكلينيكياً، بفضل زحف ثقافة الإنترنت والانيمشن والكوميكس والغرافيك، وهذا القول قد يصح عالمياً، لكن عربياً الأمر مختلف، فقد كان للفن الفقيد في مجتمعاتنا طعمه الذي لا يبارى، إذ لم يكن في مجتمعاتنا كما الغرب فن الابتسامة الخفيفة والملاحظة العابرة، وإنما كان فن القهقهات العالية، ومفجر الضحكات العالية، «ضحك كالبكاء» على أوضاعنا الحزينة.

طباعة