بسبب تمييز النظام العدلي

أستراليون أصليون يفقدون حياتهم خلال الاحتجاز جرّاء جنح بسيطة

صورة

لم تتمكن ريبيكا ميهر من الاحتفاظ بأصغر أطفالها، لأن خدمات حماية الطفل الأسترالية أخذته بعيداً عنها بمجرد ولادته، وفقاً للخبيرة بمجموعة العدالة لمناصرة حقوق السكان الأصليين، تريسي هانشو. وهذا هو الطفل الثالث الذي أخذه منها مسؤولو حماية الطفل، بسبب إدمان والدته المخدرات منذ سن المراهقة، والتي بسببها فارقت الحياة في زنزانة الشرطة عن عمر يناهز 36 عاماً. ويقول تقرير الطبيب الشرعي إنه «على الرغم من أن أطفال ريبيكا لم يكونوا يعيشون معها في ذلك الوقت وحتى وفاتها، فمن الواضح أنها كانت دائماً تشكل جزءاً مهماً من حياتهم، وأحبتهم كثيراً».

ميهر هي واحدة من أكثر من 455 من السكان الأصليين الأستراليين، الذين لقوا حتفهم في السجن، وأماكن احتجاز الشرطة، واحتجاز الشباب، منذ عام 1991، عندما نشرت اللجنة الملكية تقريرها عن وفيات السكان الأصليين في الحجز، وفقاً لأحدث تقرير للمعهد الأسترالي لعلم الجريمة.

ويقدّر إحصاء غير رسمي أجرته قاعدة بيانات صحيفة الغارديان، بأن العدد الإجمالي الحالي لهؤلاء الضحايا يصل الى 474 شخصاً، بمن في ذلك خمسة أشخاص في الأسابيع الخمسة الماضية.

مشكلات السكان الأصليين

وتُظهر قصص مثل قصة ميهر عمق الحرمان الذي يعانيه السكان الأصليون، الذين انجرف الكثير منهم في سن مبكرة إلى غياهب السجون، ما حرمهم من التعليم والوظائف، وأدى إلى استمرار المشكلات الاجتماعية التي تنتقل بينهم من جيل إلى جيل.

وتقول السيناتور عن حزب الخضر، ليديا ثورب، وهي من السكان الأصليين: «إن هذا التمييز هو أحد أعراض النظام الاستعماري المستمر والمدمّر في هذا البلد، والذي بدأ منذ أكثر من 200 عام، ولكن شعبنا مازال يتعرض للقتل».

قبل 30 عاماً، أكدت اللجنة الملكية أن السكان الأصليين لا يموتون بمعدل أعلى من غيرهم من السكان غير الأصليين، لكن الحقيقة هي أن أولئك الذين ماتوا في الحجز كانوا ضحايا تطبيق العدالة بشكل غير منصف. ولايزال الحال كما هو عليه حتى اليوم.

ويشكل السكان الأصليون 2.4٪ فقط من عامة السكان الذين تبلغ أعمارهم 20 عاماً أو أكثر، لكن على مدى السنوات الـ10 الماضية شكلوا أكثر من ربع إجمالي السجناء البالغين. وتقول ثورب: «يتم شيطنة شعبنا في هذا البلد، على الرغم من أننا أقدم ثقافة لاتزال مستمرة في العالم».

وسعت اللجنة الملكية إلى الحد من وفيات السكان الأصليين في الحجز من خلال 339 توصية، بما في ذلك العديد من التوصيات التي دعت إلى إنصافهم وتحسين صحتهم ورفاههم. ويقول النقاد إن القليل من التوصيات تم تنفيذها.

لكن ثورب تقول إنه من بين تلك التوصيات «التي تدعو إلى تشجيع السكان الأصليين على التشمير عن سواعدهم والقيام ببعض الأعمال الشاقة، لاتزال معلقة حتى اليوم، وهي التوصيات التي من شأنها أن تحدث فرقاً هائلاً في حياة شعبنا».

ماضٍ أليم وتعامل مجحف

عندما استعمر المستوطنون البريطانيون أستراليا في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، بدأوا في التهميش المتعمد والمنهجي للشعب الأصلي في البلاد، ونزعوا منهم ملكية أراضيهم، وتدخلوا في كل جانب من جوانب حياتهم تقريباً، كما كشفت اللجنة الملكية لعام 1991.

وفحصت اللجنة حياة 99 من السكان الأصليين الذين لقوا حتفهم خلال الثمانينات، ووجدت أن جميعهم كانوا على «هامش المجتمع». وراوحت صحتهم من «فقيرة إلى سيئة للغاية»، وكان وضعهم الاقتصادي «كارثياً».

اليوم، غالباً ما تبدأ مشكلاتهم في مرحلة الطفولة، حيث إن ما يقرب من متوسط نصف الشباب الذين يحتجزون في الليلة الواحدة هم من السكان الأصليين، على الرغم من أنهم يشكلون 6٪ فقط من الشباب الذين تراوح أعمارهم بين 10 و17 عاماً، وفقاً للإحصاءات الحكومية.

ويقول كبير المحامين بمؤسسة فورين بريزونرز سبورت غير الربحية، مارتن هودجسون: «نرى السكان الأصليين في كثير من الأحيان يتعرضون للتجريم وهم لايزالون أطفالاً بسبب مشكلات بسيطة تتعلق بنقص الخدمات في مجتمعاتهم»، ويضيف «بمجرد دخول أحدهم إلى نظام السجون فإن ذلك يؤثر في صحته الجسدية، وبالنسبة للكثيرين فإن سلسلة من الضغوط تؤثر في صحتهم العقلية».

وكمتطوعة، تتحدث هانشو مع الشباب من السكان الأصليين الذين يحتاجون إلى الدعم، وتقول: «أخبرني شاب يبلغ من العمر 17 عاماً أن والده وأعمامه كانوا جميعاً في السجن، وأنهم سيكونون فخورين به حقاً بمجرد وصوله إلى هناك».

لم يكن من المفترض أن تذهب ميهر إلى السجن. وقالت والدتها إنها كانت تحب الحيوانات وأرادت أن تصبح معلمة عندما تكبر. ويقول تقرير الطبيب الشرعي إن ميهر تواصلت مع الشرطة للمرة الأولى في عام 1995، وهو العام الذي بلغت فيه السادسة عشرة من العمر. وتقول هانشو إن مشكلات ميهر بدأت عندما أبلغت الشرطة أنها تعرضت للاغتصاب، ولكن لم يصدقها أحد.

وتضيف هانشو: «لقد سعت لتخفيف هذا الألم، على ما أعتقد، عن طريق تعاطي المخدرات، ولهذا السبب خرجت قليلاً عن قضبان الطريق القويم».

كانت ميهر تبلغ من العمر 16 عاماً عندما أنجبت طفلها الأول (صبي)، ثم ولد آخر بعد 11 عاماً. وبحلول ذلك الوقت، كان يُوصف لها الميثادون، كعلاج لإدمان المخدرات، وكذلك البنزوديازيبينات «للتحكم في أعراض الهيروين»، وفقاً لتقرير الطبيب الشرعي.

وتبع ذلك طفلان آخران - فتاة ثم صبي - بعد عام واحد. وبحلول الوقت الذي بلغت فيه ميهر من العمر 34 عاماً، أخذت منها السلطات ثلاثة من أبنائها الأربعة.

الموت «قضاءً وقدراً»

الاحتجاز بسبب السكر غير موجود في نيو ساوث ويلز، حيث توفيت ميهر، لكن القانون يسمح للضباط باحتجاز السكارى حفاظاً على سلامتهم وسلامة الآخرين، حيث يحصلون على المساعدة. وفي اليوم الذي ماتت فيه ميهر، رآها ضابط شرطة تترنح في منتصف الطريق، وأعادها إلى المخفر، اعتقد الضباط في البداية خطأً أنها انتهكت شروط الكفالة بتهمة السرقة، ثم لأنها بدت وكأنها مخمورة.

وبحسب الطبيب الشرعي، لم تبذل الشرطة أي محاولة للاتصال بأسرة ميهر. ووجد الطبيب الشرعي أن ميهر لم تكن تشرب الخمر، لكن الجمع بين الأدوية التي تناولتها يسبب «كآبة في الجهاز التنفسي ووهناً». ولم يعرف الضباط ما تناولته، ولم يبحثوا هذا الامر بسبب اعتقادهم الخاطئ بأنها مصابة بفيروس نقص المناعة. وكشف الطبيب الشرعي أنهم إذا دققوا في الأمر، لوجدوا زجاجتين من الأقراص مخبأة في ساق بنطلونها.

وبدلاً من ذلك، حبسها الضباط في زنزانة، وبينما كانوا يراقبونها عبر كاميرات المراقبة، لم يحاول أحد إيقاظها جسدياً لأكثر من أربع ساعات. وتتطلب إجراءات شرطة نيو ساوث ويلز من الضباط محاولة التحدث إلى الشخص المخمور كل نصف ساعة خلال أول ساعتين إلى ثلاث ساعات لتقييم مدى سلامتهم الجسدية. وإذا كانوا نائمين، فيجب إيقاظهم، وإذا لم تكن هناك استجابة، فعليهم طلب المساعدة الطبية. وحكمت المحكمة ان وفاة ميهر كان قضاءً وقدراً.

وتقول المحامية تمارا والش إن كثيرين مثل ميهر يموتون وحدهم في زنزانات الشرطة والسجون بدلاً من تلقي المساعدة الطبية. في عام 2016، أنشأت والش قاعدة بيانات الوفيات في الحجز، وهي أول قاعدة بيانات عامة في البلاد يمكن البحث فيها عن تقارير الطب الشرعي المنشورة المتعلقة بالأشخاص الذين ماتوا في الحجز. وقرأت والش وفريقها أكثر من 700 تقرير يعود تاريخها إلى عام 1997، وقالت إن الموضوعات نفسها تستمر في الظهور.

حياة الأستراليين الأصليين مهمة أيضاً

خلال العام الماضي، شارك الآلاف في أستراليا في مسيرات «حياة السود مهمة»، بعد مقتل الأميركي الأسود، جورج فلويد، في الولايات المتحدة على يد الشرطة. ومع ذلك، يقول المدافعون عن حقوق الإنسان إن الاحتجاجات العامة قليلة في أستراليا عندما يموت شخص من السكان الأصليين في الحجز، مهما كانت الظروف.

ويقول كبير المحامين بمؤسسة فورين بريزونرز سبورت غير الربحية، مارتن هودجسون: «عندما نرى القلق بشأن السكان الأصليين في السنوات الخمس أو الست الماضية، كان ذلك يحدث على خلفية حركة (حياة السود مهمة) في الولايات المتحدة».

ويراقب مجتمع السكان الأصليين في أستراليا عن كثب المحاكمة رفيعة المستوى لضابط شرطة مينيابوليس السابق، ديريك شوفين، الذي تسبب في وفاة فلويد، في الوقت الذي لم تتم مقاضاة أي شخص بشكل مقنع تسبب في وفاة السكان الأصليين في الحجز.

وقد أثار الافتقار إلى المساءلة غضب مجتمع السكان الأصليين، الذي يقول أعضاؤه إنهم يشعرون أن النظام القضائي يعمل ضدهم.

وتقول المواطنة الأصلية، لاتويا رول، إن شقيقها واين فيلا موريسون توفي في الحجز منذ خمس سنوات، ومازالت أسرته تنتظر الإجابات.

وكان من المقرر أن يظهر الأب البالغ من العمر 29 عاماً على رابط فيديو في جلسة استماع بشأن كفالة ابنه نزيل سجن ياتالا للعمال في جنوب أستراليا، عندما زعم ضباط الخدمات الإصلاحية أنه هاجمهم في زنزانته، وفقاً لجلسة استماع للمحكمة العليا ذات صلة. وهرع ضباط آخرون إلى الداخل، وربطوه من معصميه وكاحليه وأجبروه على ارتداء غطاء، وهو غطاء للوجه مصمم لمنع البصق مستخدم في العديد من البلدان، بما في ذلك الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.

وتم تقييد موريسون ووجهه للأسفل في مؤخرة شاحنة برفقة خمسة ضباط. وبعد ثلاث دقائق أخرجوه فاقداً الوعي. تقول رول إنه بعد ثلاثة أيام، اجتمعت عائلته بجانب سريره عندما أوقف الأطباء أجهزة دعم حياته بسبب وفاته.

تعديل قانوني

تم إطلاق مؤسسة جديدة هذا الشهر لمساعدة أسر السكان الأصليين المتضررة من الوفيات في الحجز، وسميت هذه المؤسسة باسم «غاديجوا»، وتعني سطوع الشمس في لغة «يورتا يورتا»، وهي اللغة التي يتحدث بها السكان الأصليون في شمال فيكتوريا وجنوب نيو ساوث ويلز.

وتم تأسيسها من قبل المواطنة الأصلية، ابريل داي، التي تم القبض على والدتها، تانيا، بسبب السكر العام في قطار في عام 2017. وتوفيت تانيا بسبب نزيف في المخ بعد أن تعثرت وارتطم رأسها مرات عدة في زنزانة الشرطة. ولمدة ثلاث ساعات، أجرى لها الضباط فحوصاً سريعة قبل استدعاء سيارة إسعاف. ولم يتم اتهام أحد، ولكن بعد وفاتها صوتت ولاية فيكتوريا على إلغاء جريمة السكر العام، وسيدخل هذا التغيير في القانون حيز التنفيذ في نوفمبر 2022.


يشكل السكان الأصليون 2.4٪ فقط من عامة السكان الذين تبلغ أعمارهم 20 عاماً أو أكثر، لكن على مدى السنوات الـ10 الماضية شكلوا أكثر من ربع إجمالي السجناء البالغين.

قبل 30 عاماً، أكدت اللجنة الملكية أن السكان الأصليين لا يموتون بمعدل أعلى من غيرهم من السكان غير الأصليين، لكن الحقيقة هي أن أولئك الذين ماتوا في الحجز كانوا ضحايا تطبيق العدالة بشكل غير منصف. ولايزال الوضع على حاله حتى اليوم.

طباعة