تحتفي بالصراعات وتمجّد أبطال الأمة

كاتدرائية القوات المسلحة الروسية تجسّد الهوية الوطنية الجديدة

صورة

تمزج الصور داخل كاتدرائية القوات المسلحة الروسية الضخمة، بين النزعة العسكرية والوطنية والمسيحية الأرثوذكسية، وتترك تأثيراً مذهلاً ومثيراً للجدل، إلى حد كبير.

تتميز الكاتدرائية، التي تقع على بعد ساعة بالسيارة من موسكو، بواجهة خارجية معدنية بلون الكاكي الأخضر، تعلوها قباب وصلبان ذهبية، يصل ارتفاعها إلى 95 متراً. ويوجد في الداخل كم هائل من الفسيفساء، أكبر من أي كنيسة في العالم، مع العديد من الأعمال التي تصور معارك من التاريخ الروسي، والحرب العالمية الثانية على وجه الخصوص.

خلال عقدين من حكم الرئيس فلاديمير بوتين لروسيا، أصبح الانتصار السوفييتي في الحرب الوطنية العظمى - كما لاتزال تسمى الحرب العالمية الثانية هناك - حجر الأساس للهوية الوطنية الروسية الجديدة. والآن، الانتصار في الحرب له ضريح ديني خاص به، وعندما ينظر المؤرخون في المستقبل، إلى عهد بوتين، قد يقررون أن هذه الكاتدرائية هي المبنى المميز لهذا العهد.

ويتم عرض ميداليات الحرب السوفييتية، من الزجاج الملون على الأسقف، بينما تُظهر الفسيفساء معارك رئيسة مختلفة. والأرقام الرمزية حاضرة في الأبعاد، إذ يبلغ قُطر القُبة الرئيسة، على سبيل المثال، 19.45 متراً (رمزية عام 1945 ونهاية الحرب العالمية الثانية). كما تم صهر الأسلحة والدبابات التي تم الاستيلاء عليها من الألمان، واستُخدمت في إنشاء الأرضيات المعدنية للكاتدرائية.

«فكّر في هذا وأنت تخطو إلى الكاتدرائية، وبينما تمشي عبر الطوابق، فإنك توجه ضربة رمزية للعدو الفاشي» يقول أحد المرشدين لمجموعة سياحية من النساء المُسنات والمحجبات، أثناء دخولهن المبنى في وقت سابق من هذا الشهر.

تغييرات طفيفة

تعود فكرة الكاتدرائية لوزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو، وكان الافتتاح مقرراً، في الأصل في الذكرى الـ75 للانتصار على النازيين، في مايو. وفي النهاية، وبسبب جائحة «كورونا»، تم تأجيل الافتتاح الاحتفالي حتى يونيو. وحضر بوتين وشويغو وبطريرك موسكو، الافتتاح، في 22 يونيو، وهي الذكرى السنوية للهجوم النازي على الاتحاد السوفييتي، في عام 1941.

وقال الأسقف الأرثوذكسي الروسي، ستيفان، من مدينة كلين، الذي يرأس قسم الكنيسة الأرثوذكسية الروسية للتعاون مع الجيش، ويقيم القداس بانتظام في الكاتدرائية: «لا يمكن إلا لأمة تحب الرب أن تبني مثل هذه الكاتدرائية الكبرى».

والأسقف، البالغ من العمر 59 عاماً، والذي كان ضابطاً في قوات الدفاع الصاروخي السوفييتية والروسية قبل أن يصبح كاهناً، دافع عن استخدام الرموز السوفييتية، قائلاً إن الكاتدرائية تصور «جميع عهود دولتنا.. روسيا المُقدسة»، وسيكون من الخطأ استبعاد الحرب العالمية الثانية، بالنظر إلى عدد الجنود السوفييت المتدينين، وفق تعبيره.

لكن الصور كانت مثيرة للجدل وفقاً لسيرغي تشابنين، وهو عالم ديني في موسكو، «في الحقيقة، هذه ليست كاتدرائية أرثوذكسية، إنها كاتدرائية ما بعد الاتحاد السوفييتي».

وتم إجراء بعض التغييرات الطفيفة، بعد احتجاج جهات عدة، في وقت سابق من هذا العام، وأبرزها إزالة فسيفساء حول صور استيلاء الكرملين على شبه جزيرة القرم، عام 2014، والتي تضمنت صوراً لبوتين وشويغو.

وقال الأسقف ستيفان: «كانت رغبة رئيسنا، المتواضع للغاية لدرجة أنه اعتقد أنه ليس من المناسب أن يتم تمثيله على الفسيفساء، ومن ثم إزالة صوره». والفسيفساء التي توضح تفاصيل أحداث شبه جزيرة القرم لا يوجد بها الآن بوتين، لكنها تصور «الرجال الخضر الصغار» ذوي السمعة السيئة - القوات الخاصة الروسية -، التي أشرفت على عملية ضم شبه الجزيرة، والتي نفى الكرملين وجودها في البداية.

التدخلات المقدسة

وفي فسيفساء كبيرة مخصصة للجيشين السوفييتي والروسي، منذ الحرب العالمية الثانية، تم تجسيد مجموعة من الجنود يحملون أسلحة حديثة، وهناك قائمة بالصراعات التي تم الاحتفاء بها، والتي تنتهي بـ«فرض السلام على جورجيا»، في عام 2008، و«عودة القرم» عام 2014، و«محاربة الإرهاب الدولي» في سورية، وهناك مساحة للنزاعات المستقبلية ستتم إضافتها.

ولم ينسَ القائمون على الكاتدرائية، الحربين الروسيتين في الشيشان، فضلاً عن التدخلات العسكرية السوفييتية لسحق الثورة المجرية، عام 1956، وربيع براغ، عام 1968، والغزو السوفييتي لأفغانستان. وعندما سُئل عما إذا كانت الكنيسة تريد حقاً أن تشير إلى أن كل هذه التدخلات «مقدسة»، قال ستيفان إنه «من الخطأ التركيز على نزاعات معينة».

وتقع الكاتدرائية في «باتريوت بارك»، أو ما يعرف بـ«ديزني لاند العسكرية»، التي افتتحها بوتين، في 2015. وقبل ثلاث سنوات، كان شويغو من بين 5000 متفرج شاهدوا إعادة تمثيل عام 1945 لاقتحام العاصمة الألمانية، في حديقة الكاتدرائية، والتي تضمنت دبابات وطائرات ونموذجاً عملاقاً لمبنى البرلمان في برلين.

ومع افتتاح الكاتدرائية، هناك المزيد من الخيارات لقضاء يوم عائلي بالخارج. وتوافد نحو 20 ألف زائر، يومياً، في عطلات نهاية الأسبوع الأخيرة، حتى بعد ظهر يوم الثلاثاء من الأسبوع الماضي. وكان هناك مئات الأشخاص داخل الكاتدرائية، وقام الكثير منهم بجولات استكشافية.

ويحتوي المكان على العديد من الغرف تُعرض فيها حلقات الحرب، على شاشات ضخمة، على غرار ألعاب الكمبيوتر، وبعض الغرف تحتوي، أيضاً، على مؤثرات خاصة.

شيء جديد

يمكن للأطفال التقاط صور بجانب مجسم لجندي نازي مُستسلم. وهناك ألغاز وأكواب تذكارية، في ساحات المبنى وخارجها، و«قاذفات صواريخ» للبيع في محل بيع الهدايا. ولكن في حين أن هناك الكثير من المتاحف الحربية في روسيا، فإن الكاتدرائية هي شيء جديد تماماً، ما يوضح المعنى شبه الديني للطريقة التي تُذكر بها الحرب في روسيا. ويقول ديمتري، البالغ من العمر 28 عاماً والذي يعمل في الكاتدرائية، إن الصور العسكرية والدينية على فسيفسائها، بعيداً عن كونها مزيجاً مثيراً للقلق، هي في الواقع مناسبة تماماً، «في الحرب، ضحّى جنودنا بأنفسهم لنكون نحن أحراراً ومستقلين».

• 20000 زائر توافدوا على الكاتدرائية، يومياً، في عطلات نهاية الأسبوع.


بصمة في التاريخ

يقول مراقبون إن هذه الكاتدرائية هي محاولة من الرئيس فلاديمير بوتين، لترك بصمة في التاريخ الروسي. والموقع التذكاري يحدد جهود بوتين لرسم النصر السوفييتي كنصر وطني عظيم، ليكون مركزاً للهوية الوطنية.

وهذا هو رمز لمثل هذا الجهد، ويقع في قلب ما يشار إليه باسم «ديزني لاند العسكرية»، والمكان مملوء بصور العسكريين «القديسين» لروسيا. والمجمع بأكمله يستفيد من هذا السياق شبه الديني لعرض التاريخ. ويصبح سياق «الحرب الوطنية العظمى»، مهماً، عندما يتم التأكيد على أن روسيا ترى تضحياتها العديدة في الحرب على أنها مفيدة بشكل مطلق لانتصار قوات الحلفاء.

وفي النهاية، سيكون من السهل وضع العديد من الافتراضات، حول هذا الاتجاه لدمج القومية العسكرية، مع الدين، وهو أمر يتم ملاحظته في روسيا. ويكفي القول، إنها طريقة قديمة لتجميع الكبرياء القومي في هذا العصر الحديث، وتمثل تحولاً خططت له الإدارة الحالية على الأرجح على المدى الطويل. وحتى مع قلق الكثير من الروس بشأن ما إذا كانت هذه الكاتدرائية تمجد الشخصيات العسكرية بدلاً من الشخصيات الدينية، فإن جُدران هذه الكاتدرائية الجديدة جاهزة لتسجيل فصول جديدة في الأنشطة العسكرية الروسية المقبلة.

مثيرة للجدل

مئات الآلاف من الروس يفخرون بالرموز التي تكرّم قدامى المحاربين وتشيد بالقوة العسكرية لبلادهم. لكن ثبت أن بعض المعروضات مثيرة للجدل، بينما أثار البعض الآخر اتهامات بالتقليل من التضحيات الأخرى. ولم يتم عرض لوحة فسيفساء مثيرة للجدل تصوّر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في الكاتدرائية العسكرية الجديدة، بعد أن اعترض الرئيس نفسه عليها. وتم تصوير بوتين، على الفسيفساء، إلى جانب وزير دفاعه ورئيس جهاز الأمن الفيدرالي وآخرين. وقال الأسقف المسؤول عن الكنيسة الضخمة بالقرب من موسكو، إن الفسيفساء من المرجح أن يتم تفكيكها.

وتظهر فسيفساء أخرى نساءً أمام لافتة كتب عليها «القرم لنا». وضمت روسيا شبه جزيرة القرم الأوكرانية، في عام 2014. وذكرت الأنباء أن أجزاء من الموقع أنشئت من معدات منصهرة تم الاستيلاء عليها من القوات النازية. لكن عندما قام المصممون بتضمين صورة للرئيس بوتين، يبدو أنهم ذهبوا بعيداً. وعندما أصبح ذلك علنياً، ومثيراً للجدل، قال الكرملين إن بوتين لم يوافق على ذلك. وقال متحدث إن الاحتفال بإنجازات فريقه سابق لأوانه، وتمت إزالة الفسيفساء على الفور.

طباعة