الحكومة اتخذت إجراءات تجنيد أكثر صرامة.. وكثفت جمع البيانات عن جنود الاحتياط
المخاوف من تعبئة عسكرية جديدة في روسيا تدفع الرجال إلى مغادرة البلاد
«الاحتياط العسكري الروسي» يتألف من رجال تقل أعمارهم عن 55 عاماً وأتموا خدمتهم الإلزامية. رويترز
غادر أكثر من 113 ألف روسي بلادهم، الأسبوع الماضي، عبر ما يُعرف بنقطة تفتيش «أبر لارس»، وهو ارتفاع حاد في حركة المغادرة يعكس المخاوف المتزايدة من أن الحكومة الروسية على وشك الإعلان عن حملة تعبئة جديدة.
في الأشهر الأخيرة، اتخذت السلطات الروسية إجراءات تجنيد أكثر صرامة، وكثفت جمع البيانات عن جنود الاحتياط، ووسعت نطاق صلاحيات الحرس الوطني، وكل ذلك يغذي الشائعات عن دعوة جديدة للتجنيد.
وقال مؤسِّس منظمة حقوق الإنسان (مدرسة المجند)، أليكسي تابالوف الذي تعمل منظمته على حماية المجندين والعسكريين، إن المنظمة غير الحكومية لاحظت أخيراً ارتفاعاً في طلبات المساعدة القانونية من الرجال في سن الخدمة العسكرية، «بشكل أساسي من أولئك الموجودين في الاحتياط العسكري».
وفي أوائل أغسطس الماضي، قال الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، إن أجهزة الاستخبارات في بلاده تتوقع أن تطلق روسيا «تعبئة سريعة» لمئات الآلاف من الرجال بحلول نهاية العام.
الحدود الجورجية
علاوة على ذلك، شهدت جورجيا هذا النوع من التدفق عبر الحدود من قبل، ففي سبتمبر 2022، عندما أعلن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، عن تعبئة عسكرية جزئية شملت استدعاء نحو 300 ألف رجل، في أعقاب الحرب على أوكرانيا، كانت جورجيا إحدى الوجهات الرئيسة للراغبين في الفرار.
وباعتبارها واحدة من الدول القليلة في أوروبا الشرقية التي تقع على الحدود وتسمح بدخول المواطنين الروس دون تأشيرة، استقبلت جورجيا أكثر من 100 ألف روسي في غضون أسبوع واحد.
نفي
لكن الحكومة الروسية تنفي شائعات التعبئة منذ أشهر، وفي حديثه للصحافيين، الأسبوع الماضي، قال سفير روسيا لدى الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا: «لا نحتاج إلى تعبئة في الوقت الحالي، حيث إنه لا مخطط لها ولا متوقعة، على حد علمي».
بدوره، قال المتحدث باسم الحكومة، ديمتري بيسكوف، الأسبوع الماضي، إن أي حديث عن التعبئة «يتم ترويجه من قبل السلطات الأوكرانية».
ومع ذلك يصعب تجاهل الحقائق المتغيرة على أرض المعركة، فرغم أن روسيا لا تنشر أرقاماً رسمية عن الخسائر البشرية، فإن القائد العام السابق للقوات المسلحة الأوكرانية، أولكسندر سيرسكي، قال إن خسائر موسكو تجاوزت، للمرة الأولى، عدد المتطوعين الراغبين في الانضمام إلى الجيش.
وبينما نجحت روسيا إلى حد كبير في استخدام المكافآت السخية لتجنيد المتطوعين والسجناء للقتال في الحرب، «أصبح من الصعب بشكل متزايد على الجيش تجنيد أشخاص جدد»، وفقاً لمحامٍ يعمل مع «نداء السلام» وهي منظمة تساعد الرجال على التهرب من الخدمة العسكرية، وقد تم منحه حق عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية.
وأضاف المحامي أن «العقد الاجتماعي» بين الكرملين والشعب الروسي «يتزعزع بشكل واضح».
أفراد الاحتياط
يتألف الاحتياطي العسكري الروسي بشكل أساسي من رجال تقل أعمارهم عن 55 عاماً، أتموا خدمتهم العسكرية الإلزامية.
وتعد الخدمة العسكرية التي تستغرق عاماً واحداً إلزامية لكل رجل روسي يراوح عمره بين 18 و30 عاماً، مع بعض الاستثناءات لأسباب صحية أو متعلقة بالتعليم المستمر.
وقال مؤسس منظمة حقوق الإنسان (مدرسة المجند)، إن «هؤلاء الأشخاص عادة ما يكونون من بين الأكثر عرضة للاستدعاء في حالة التعبئة»، وفي عام 2022، قدر وزير الدفاع الروسي آنذاك، سيرغي شويغو، عددهم بنحو 25 مليوناً.
ووفقاً لتابالوف، قامت الحكومة الروسية في الأشهر الأخيرة بجمع البيانات الشخصية لأفراد الاحتياط بشكل نشط من خلال أرباب عملهم.
وقال: «إنهم يستفسرون حتى عن عناوين أقاربهم»، حيث يمكن استخدام هذه المعلومات لمحاولة تعقب أي شخص قد يختبئ أثناء عملية تعبئة فعالة، ثم يتم استدعاء هؤلاء الرجال إلى مكاتب التجنيد العسكري ويُعطون مهام تحدد الوحدة التي سيتوجهون إليها في حال إعلان التعبئة.
وأكد محامي منظمة «نداء السلام»، أن «اهتمام الحكومة بالاحتياطيين قد ارتفع بشكل حاد منذ الربيع الماضي».
تمهيد
ويرى تابالوف، أن هذا يمثل تمهيداً لعملية استدعاء أسرع وأكثر سرية، موضحاً: «ما عليك سوى إحضار، على سبيل المثال، 10 حافلات إلى مصنع معادن معين، واصطحاب عدد متفق عليه مسبقاً من العمال مباشرة من أماكن عملهم، منادياً إياهم بأسمائهم: بيتروف، إيفانوف، سيدوروف، يرجى الصعود إلى الحافلة، التي تتجه بعد ذلك إلى القاعدة العسكرية».
كما تشير سلسلة من القوانين التي تم إقرارها في الأشهر الأخيرة إلى احتمال وجود استعدادات في هذا الصدد.
وفي مارس، فرض الكرملين استخدام الاستدعاءات العسكرية الإلكترونية كإجراء إلزامي في عملية التجنيد.
وكانت عملية التعبئة لعام 2022 قد اعتمدت على الاستدعاءات الورقية التي لم تكن تدخل حيز التنفيذ عموماً، إلا بعد توقيع المستلم عليها.
وأدى ذلك إلى ظهور ثغرة بيروقراطية تسببت في مغادرة ما يصل إلى مليون روسي للبلاد بسرعة، تحسباً لتسليم الاستدعاءات وفرض حظر السفر لاحقاً.
استدعاءات رقمية
وقد تم إدخال الاستدعاءات الرقمية التي دخلت حيز التنفيذ حالياً، بعد أن بدأ تطبيقها على الصعيد الوطني على أساس غير إلزامي في عام 2025، وهي تصبح سارية المفعول فور إصدارها عبر الإنترنت، حيث يتم إخطار سلطات الحدود على الفور ومنع المستلم من مغادرة البلاد.
وقال تابالوف: «لقد تعلمت السلطات درساً من التعبئة السابقة».
ثم في يوليو، أفادت وسائل الإعلام الروسية بأن الحرس الوطني - وهو هيئة أمنية أُنشئت في عام 2016 لحماية المؤسسات العامة في المقام الأول من التهديدات والاحتجاجات من داخل البلاد والأراضي المحتلة - كان يتخذ خطوات لإعداد أفراده العسكريين وموظفيه ومنشآته، تحسباً لأي تعبئة محتملة، وذلك من خلال التدريب وعمليات الإجلاء.
وتحقيقاً لهذه الغاية، وقع مدير الحرس الوطني، فلاديمير زولوتوف، مرسوماً ينص صراحة على أن تتولى هذه الهيئة أيضاً، مهمة الحماية «من الأخطار التي تنشأ خلال فترة التعبئة، وأثناء سريان الأحكام العرفية وفي أوقات الحرب».
وقال الخبير العسكري الأوكراني، أولكسندر كوفالينكو، إن هذه التغييرات تشير إلى أن الحكومة تستعد لنوع من التعبئة أكثر صرامة و«حزماً»، يتطلب إشراك الأجهزة الأمنية.
عن «بوليتيكو»
. روسيا نجحت إلى حد كبير في استخدام المكافآت السخية لتجنيد المتطوعين والسجناء للقتال في الحرب.
. الحرس الوطني الروسي اتخذ خطوات لإعداد أفراده العسكريين وموظفيه ومنشآته، تحسباً لأي تعبئة محتملة.
تراجع التأييد

بغض النظر عن النقص في التجنيد، لا يُتوقع صدور أي إعلان رسمي بشأن احتمال التعبئة قبل موعد الانتخابات البرلمانية في روسيا، المقرر إجراؤها في منتصف سبتمبر الجاري.
ورغم عدم السماح لأي أحزاب مناهضة للحرب بالدخول في السباق الانتخابي، فإن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، نفسه وحزبه الحاكم (روسيا المتحدة) يواجهان تراجعاً في التأييد، كما أن إعلان التعبئة العسكرية الرسمي قد لا يساعد في تعزيز المكانة السياسية للرئيس الروسي.
ضغوط على الجامعات لتجنيد الطلاب

وزارة الدفاع الروسية تخطط لتجنيد 80 ألف شخص معظمهم من الطلاب. أرشيفية
مع أن جميع الدلائل تشير إلى تزايد احتمال إجراء تعبئة جديدة في روسيا، يبدو أن حكومة موسكو مصممة على تجنبها.
وقال مؤسِّس منظمة حقوق الإنسان (مدرسة المجند)، أليكسي تابالوف، إن التعبئة الرسمية «ستعني أن الأمور تسير بشكل سيئ على الجبهة، وأن هناك إخفاقاً ما».
وكان الكرملين جرب استراتيجيات تجنيد عدة صارمة في السابق.
وفي مارس 2026، أفادت وسائل الإعلام الروسية، بأن وزارة الدفاع تخطط لتجنيد نحو 80 ألف شخص معظمهم من طلاب الجامعات في «قوات الأنظمة غير المأهولة» التي أنشأتها حديثاً.
ورافقت هذه المبادرة حملة دعائية ضخمة وضغوط على الجامعات، وكانت إدارات الجامعات تأمر الطلاب بشكل روتيني بحضور اجتماعات جماهيرية مع مسؤولي التجنيد العسكري، حيث كان يتم الضغط عليهم لتوقيع عقود مقابل الحصول على مبالغ مالية.
وفي أغسطس، قدرت صحيفة «نوفايا غازيتا أوروبا» أن جميع الجامعات الـ50 الكبرى في روسيا تقريباً كانت تمارس ضغوطاً على طلابها للانضمام إلى «قوات الطائرات بدون طيار».
لكن بحلول يوليو لم يتم تجنيد سوى 8000 شخص، أي نحو 10% من الهدف المحدد.
ووفقاً لتابالوف، فإن هذه المحاولة لمعالجة النقص في التجنيد، من خلال استهداف الطلاب محكوم عليها بالفشل.
وأوضح مؤسس منظمة حقوق الإنسان (مدرسة المجند): «تاريخياً يلتحق الطلاب الذكور بالجامعات لتجنب الخدمة العسكرية، وليس للانضمام إليها».
كما أبلغت منظمة التحقيقات «فريق استخبارات النزاعات»، في يوليو، بفشل برنامج «فرق الطلاب للطائرات بدون طيار»، وعزت ذلك إلى تراجع الاهتمام بالانضمام إلى الجيش، و«عدم رغبة الطلاب بشكل عام في توقيع عقد مع الجيش رغم الحملات النشطة والضغوط».
جهد حكومي أوسع
ظهرت استراتيجية أخرى في وقت لاحق من يونيو الماضي، بعد أن انتشرت مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي لمداهمات جماعية في بينزا، إحدى أفقر المدن في الجزء الأوروبي من روسيا.
وأظهرت مقاطع الفيديو ضباطاً من الشرطة والجيش، يرافقهم أحياناً رجال يرتدون أقنعة، وهم يوقفون مدنيين عند نقاط التفتيش وفي الشوارع ووسائل النقل العام، ويحملونهم إلى حافلات صغيرة ويأخذونهم إلى مكاتب التجنيد العسكري، حيث أُجبر بعضهم بعد ذلك على توقيع عقود للقتال في الحرب.
وقد نفت سلطات بينزا مراراً أي تورط في عمليات الاختطاف والتجنيد القسري المزعومة.
ويُزعم أن حملة بينزا تأتي في إطار جهد حكومي أوسع نطاقاً لدفع المناطق إلى تجنيد مزيد من الرجال والوفاء بالحصص المحددة دون الإعلان رسمياً عن التعبئة.
ووفقاً لتقارير إخبارية، حددت وزارة الدفاع الروسية هدفاً رسمياً يتمثل في تجنيد 409 آلاف جندي متعاقد بحلول نهاية عام 2026. لكن «هذه المبادرة قد تأتي بنتائج عكسية على السلطات مرة أخرى»، كما قال مؤسس منظمة حقوق الإنسان (مدرسة المجند)، أليكسي تابالوف، موضحاً: «لقد بدأ مواطنو بينزا بالفعل في تنظيم أنفسهم، من خلال تشكيل فرق للدفاع عن النفس». وفي أغسطس الماضي، أنشأ المدون ستانيسلاف موروزوف، من مدينة بينزا، مجموعة جمعت 1500 عضو، لتقديم المساعدة للرجال الذين يواجهون الاحتجاز والإكراه. وكتب موروزوف: «نفعل هذا بدافع اليأس لأننا لم يعد لدينا خيار آخر. نحن أشخاص ندافع عن حقوقنا وحرياتنا الأساسية، الحق في ألا نتحول إلى سلعة أو أن تُجرد إرادتنا تحت التهديد».
كما أفادت التقارير بأن سكان باشماكوفو شكلوا فرقة دفاع عن النفس للقيام بدوريات في المنطقة، حيث يقومون بتصوير «المجنِّدِين»، وتسجيل أرقام لوحات سياراتهم، ومحاولة تحديد هوية أولئك الذين يخفون هوياتهم.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news