على عكس ما يعتقده كثيرون

انخفاض عدد سكان الصين خبر سيئ للعالم

نقص المواليد في الصين سيزيد أعباء الضرائب على صغار السن العاملين لمصلحة رعاية العجائز الذين لا يعملون. غيتي

هناك أسباب للشك في قدرة الصين على إدارة انخفاض عدد السكان في سن العمل، والذي قد يتسبب في ضعف اقتصادي مستمر. فقد انخفض عدد سكان الصين العام الماضي، للمرة الأولى منذ الوفيات الجماعية المرتبطة بالقفزة العظيمة الكارثية للزعيم الصيني الراحل، ماو تسي تونغ، إلى الأمام في الستينات.

لكن لماذا نعتبر هذه مشكلة؟ بعد كل شيء، في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، كان كثير من الناس قلقين من أن العالم يواجه أزمة اكتظاظ سكاني، وكانت الصين أحد أكبر مصادر هذا الضغط. وحاولت الحكومة الصينية نفسها الحد من النمو السكاني من خلال سياسة الطفل الواحد الشهيرة. السؤال هو: لماذا لا يكون انخفاض عدد السكان خبراً جيداً، وهو مؤشر على أن الصين، والعالم بشكل عام، سيكون عددهم أقل من الناس الذين يعتمدون على موارد محدودة في هذا الكوكب؟

الجواب هو أن انخفاض عدد السكان يخلق مشكلتين رئيستين للإدارة الاقتصادية، وهاتان المشكلتان قابلتان للحل إذا كان هناك وضوح فكري وإرادة سياسية. لكن هل سترتقي الصين إلى مستوى التحدي؟ هذا بعيد كل البعد عن الوضوح.

مؤشر على الشيخوخة

المشكلة الأولى هي أن انخفاض عدد السكان يعتبر أيضاً مؤشراً على الشيخوخة، وإننا نعتمد في كل مجتمع على الشباب لدعم كبار السن. في الولايات المتحدة، البرامج الاجتماعية الثلاثة الكبرى هي الضمان الاجتماعي، والرعاية الطبية، والمساعدة الطبية. ويستهدف الأولان بشكل صريح كبار السن، وحتى البرنامج الثالث ينفق معظم أمواله على كبار السن من الأميركيين والمعاقين.

وفي كل حالة، يعتمد تمويل هذه البرامج في نهاية المطاف على الضرائب، التي يدفعها البالغون في سن العمل، والمخاوف بشأن المستقبل المالي طويل الأجل لأميركا تنشأ إلى حد كبير من ارتفاع نسبة إعالة كبار السن، أي ارتفاع عدد كبار السن على من هم في سن العمل.

شبكة الأمان الاجتماعي في الصين غير متطورة نسبياً مقارنة بشبكاتنا، فالصينيون الأكبر سناً يعتمدون على الرغم من ذلك على المساعدات الحكومية، وخصوصاً معاشات التقاعد الحكومية. ونسبة إعالة كبار السن في الصين في ارتفاع هائل. وهذا يعني أن الصين ستضطر إما إلى إلحاق كثير من الألم الاقتصادي بكبار السن، ورفع الضرائب بحدة على المواطنين الأصغر سناً، أو كليهما.

المشكلة الأخرى أكثر دقة، ولكنها خطرة أيضاً، حيث إنه للحفاظ على العمالة الكاملة، يجب على المجتمع الحفاظ على الإنفاق العام مرتفعاً، بما يكفي لمواكبة القدرة الإنتاجية للاقتصاد. قد يعتقد البعض أن تقلص عدد السكان قد يقلل من التكلفة، ومن شأنه أن يجعل هذه المهمة أسهل. لكن انخفاض عدد السكان - وخصوصاً انخفاض عدد السكان في سن العمل - يتبعه تقليل بعض أنواع الإنفاق المهمة، وخصوصاً الإنفاق الاستثماري. وبعد كل شيء، إذا كان عدد العمال آخذاً في الانخفاض، فستكون هناك حاجة أقل لبناء مصانع جديدة، ومبانٍ ومكاتب، وما إلى ذلك؛ وإذا كان عدد العائلات آخذاً في الانخفاض، فليس هناك حاجة كبيرة لبناء مساكن جديدة.

والنتيجة هي أن المجتمع الذي يتراجع فيه عدد السكان في سن العمل يصيبه ضعف اقتصادي مستمر. وتتضح هذه النقطة بشكل جلي في حالة اليابان، فقد بلغ عدد السكان في سن العمل ذروته في منتصف التسعينات، وواجهت البلاد الانكماش منذ ذلك الحين، وعلى الرغم من عقود من أسعار الفائدة المنخفضة للغاية، فقد واجهت البلدان الغنية الأخرى في الآونة الأخيرة، والتي تشبه ديموغرافيتها ديموغرافية اليابان مشكلات مماثلة. ولكي نكون منصفين لليابانيين، يمكن القول إنهم تعاملوا مع قضية انخفاض عدد السكان بشكل جيد، وتجنبوا البطالة الجماعية جزئياً، عن طريق دعم اقتصادهم بالإنفاق بالعجز. وقد أدى ذلك إلى مستويات عالية من الدين العام، ولكن لم يكن هناك أي تلميح إلى أن المستثمرين يفقدون الثقة بالملاءة اليابانية. لكن هل تستطيع الصين - التي انخفض عدد سكانها في سن العمل منذ عام 2015 - إدارة الأمور بشكل جيد على قدم المساواة؟ هناك أسباب وجيهة للشك.

باول كروغمان - محلل سياسي واقتصادي

 

طباعة