إرهابيو هجمات 2015 أمام العدالة للمرة الأولى

«محاكمة القرن» في فرنسا تختبر قيم الجمهورية وسط سجال انتخابي حاد

صورة

وصفت محطة الإذاعة الفرنسية «آر تي إل» محاكمة المتورطين في أحداث 13 نوفمبر 2015 بأنها «محاكمة القرن»، إذ سيتم تقديم الجناة والمتواطئين معهم إلى العدالة، وفي ليلة الجمعة تلك، استهدف إرهابيو تنظيم «داعش» ستة مواقع في جميع أنحاء مدينة باريس، بما في ذلك قاعة حفلات «باتاكلان»، في «ستاد فرنسا»، ومطاعم وحانات، ما أسفر عن مقتل 130 شخصاً وإصابة 416 بجروح، وتسببت الهجمات في أسوأ خسائر في الأرواح على التراب الفرنسي منذ الحرب العالمية الثانية، وخلّفت بصمة لا تُمحى على المجتمع الفرنسي.

ستكون المحاكمة تاريخية لنطاقها الهائل، وتم إنشاء قاعة محكمة جديدة تماماً لاستيعاب جميع المعنيين، وهناك 330 محامياً وما يقرب من 1800 مدّعٍ من بينهم 300 ضحية، وهي مجموعة تضم الجرحى والأسر التي تقاضي نيابة عن الأقارب المقتولين، وتم توجيه الاتهام إلى 20 رجلاً بالتخطيط للهجمات وتنفيذها، ويحاكم ستة منهم غيابياً، على الرغم من أن المصادر تشير إلى أن الشبكة الإرهابية يمكن أن تكون أوسع من ذلك بكثير.

أمضى رئيس محكمة قصر العدل في باريس، جان لويس بيرييه، أكثر من عام في دراسة ملفات التحقيق، وهي عبارة عن 542 مجلداً، يبلغ عدد صفحاتها مليون صفحة، ووصف بيريه الإجراءات في المحكمة قائلاً: «هذه محاكمة غير عادية، لكن يجب احترام الإجراءات القانونية». ويقول الكثير من المشاركين في المحاكمة إن هذا الشعور كان مفتاحاً للأجواء الهادئة التي سادت حتى الآن.

وبدأت الإجراءات بجلسات استماع في الثامن من سبتمبر، ومن المقرر أن تستمر نحو تسعة أشهر، ما يعني أن من المحتمل أن تنتهي بعد الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2022، التي من المتوقع أن تنتهي في 24 أبريل، بين الرئيس، إيمانويل ماكرون، وزعيمة حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف، مارين لوبان. وأثار هذا التداخل الزمني مخاوف من أن السياسيين قد يستغلون المحاكمة في وقت لايزال الأمن والهجرة من الموضوعات الساخنة في فرنسا، وأظهر استطلاع حديث أجرته قناة «بي إف إم»، أن الأمن هو القضية الانتخابية الرئيسة لواحد من كل ثلاثة ناخبين فرنسيين.

مخاطر كبيرة للجميع

وقالت سيلين مارليت، وهي صحافية فرنسية مستقلة: «منذ عام 2015 تعيش فرنسا مع التهديد الإرهابي، وكان هناك العديد من الهجمات في عام 2016، وفي العام الماضي هجوم آخر»، متابعة: «نحن نعيش مع هذا التهديد في فرنسا، لذا فقد كان جزءاً من مناقشاتنا السياسية لفترة من الوقت، والجدل حول الأمن والعلمانية والإسلام الراديكالي موجود بالفعل، وكان غذاءً سياسياً لفترة من الوقت، ولا أعتقد أن المحاكمة ستتغير كثيراً الآن». وأضافت: «لكن بالنظر إلى توقيت الحكم، هناك احتمال كبير أن يؤثر الحكم في النقاش الرئاسي».

وتشير استطلاعات الرأي الحالية إلى أن انتخابات العام المقبل ستكون بمثابة مواجهة ثانية بين ماكرون ولوبان، ويضغط اليمين المتطرف على ماكرون بشدة، وحتى الآن يذعن الرئيس للضغوط، وفي أبريل أقر المجلس الوطني الفرنسي مشروع قانون الحكومة بشأن «الأمن العام»، للاحتجاجات الجماهيرية في جميع أنحاء البلاد، ووقّع عليه ماكرون ليصبح قانوناً بعد شهر، وحذرت منظمة العفو الدولية من أن القانون الجديد يخاطر بخلق «دولة رقابة بائسة»، بينما يتحد المئات من الصحافيين والقادة النقابيين والمثقفين للتنديد بالانحراف الاستبدادي للقانون.

وفي غضون ذلك، يستمر التحامل و«الإسلاموفوبيا»، في التحرك أكثر نحو الاتجاه السائد في فرنسا، وفي نوفمبر الماضي أصدرت الحكومة قراراً بحلّ منظمة الحريات المدنية الإسلامية الأبرز في فرنسا، وهي جماعة مناهضة للإسلاموفوبيا في فرنسا، على أساس أنها تشكّل تهديداً «إسلامياً» للجمهورية، وحدث هذا بعد وقت قصير من إعلان الحكومة عن مشروع قانون «مناهض للانفصال»، الذي يتطلب من الأئمة الفرنسيين التوقيع على «ميثاق جمهوري»، ونددت جماعات حقوق الإنسان بالاثنين ووصفتهما بأنهما تهديد للحريات المدنية التي تمنع القدرة على التنديد بعداء الإسلام ومكافحته بشكل مناسب.

وفي الآونة الأخيرة، أعلن الصحافي والمرشح الرئاسي المحتمل، إريك زمور، الذي قال إنه يجب حظر «محمد» كاسم أول في فرنسا، وإن «الإسلام لا يتوافق مع القيم الفرنسية»، خلال مناظرة تلفزيونية مع جان لوك ميلينشون، وهو مرشح يساري متطرف وزعيم حزب «فرنسا الأبية» المنبوذ.

ومن المؤكد أن وسائل الإعلام تلعب دوراً في تعزيز مثل هذه الانطباعات، وفي عددها الصادر في سبتمبر نشرت المجلة الفرنسية اليمينية «كوزور» قصة غلاف تصور مجموعة من الأطفال متعددي الأعراق تحت عنوان تحذيري كاذب: «ابتسم.. سيتم استبدالك!»، في إشارة إلى نظرية المؤامرة العنصرية للكاتب الفرنسي، رينو كامو، لما يسمى «الاستبدال العظيم» للأوروبيين البيض من قبل المهاجرين غير البيض، ونشرت مجلات صفراء شهيرة في فرنسا تغطية هذا الشهر، مارين لوبان من الإيطالي فينتشنزو سوفو، وهو عضو في البرلمان الأوروبي، ويمثل حزب «إخوان إيطاليا».

ربما لم يتم تسييس المحاكمة بعد، لكن المشاعر تتصاعد، وأعلن زمور أنه يؤيد عقوبة الإعدام المحظورة في الاتحاد الأوروبي، لأولئك الذين ارتكبوا هجمات باريس، وقال إنه سيقرر خلال الشهر ما إذا كان سيبدأ حملته الرئاسية.

ومع ظهور المزيد من التفاصيل في القضية، من المؤكد أن خطوط المرشحين المتعلقة بالأمن ستكون مؤشراً إلى كيفية تغير المزاج الوطني، وفي محاولة لاسترضاء اليمين، اتُّهم ماكرون بالفشل في تحقيق التوازن بين الأمن والحريات المدنية، وحتى الآن كانت المحاكمة، بدلاً من ذلك بمثابة شهادة على نظام العدالة الفرنسي وقيمه الديمقراطية، لكن الطريقة التي يستجيب بها السياسيون في خضم تهديد إرهابي دائم ستكون مقياساً لالتزامهم بتلك المُثل.

ليلة مروعة

عاشت باريس ليلة رعب في 13 نوفمبر 2015، إذ شن متطرفون هجمات خارج ملعب «استاد فرنسا» قرب باريس، وعلى شرفات مطاعم ومقاه وداخل صالة «باتاكلان» للحفلات في العاصمة الفرنسية. وكانت هذه أعنف اعتداءات على الإطلاق على الأراضي الفرنسية، والأولى التي شارك فيها انتحاريون.

وفي مساء يوم الجمعة ذاك، كان الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، يشاهد مباراة ودية بين منتخبي فرنسا وألمانيا في ملعب استاد فرنسا في سان دوني، شمال باريس، حين دوى انفجار قوي قبيل الساعة 21.20، أثار الخوف بين المشاهدين الثمانين ألفاً.

وبعد أربع دقائق، دوى انفجار ثان، تأكد معه أنه هجوم إرهابي. وكان ثلاثة انتحاريين فجروا أنفسهم عند مداخل الملعب، وقتل سائق حافلة على مقربة.

وفي هذه الأثناء، قامت وحدة مسلحة من ثلاثة عناصر في سيارة بإطلاق النار بالأسلحة الرشاشة على شرفات مقاه ومطاعم مكتظة في الدائرتين العاشرة والحادية عشرة في شرق باريس، ما أدى إلى سقوط 39 قتيلاً في غضون نصف ساعة.

وبعد أكثر من ست سنوات على تلك الليلة، تبدأ محكمة الجنايات الخاصة في باريس اعتباراً من 8 سبتمبر محاكمة عشرين متهماً بينهم صلاح عبدالسلام. وسيحضر أمامهم 1800 شخص من ضحايا وأقرباء قتلى وجرحى وناجين.

• 130 شخصاً قُتلوا، وأصيب 416 آخرون بجروح، لتكون أسوأ الخسائر في الأرواح منذ الحرب العالمية الثانية.

• ستكون المحاكمة تاريخية لنطاقها الهائل، وتم إنشاء قاعة محكمة جديدة تماماً لاستيعاب جميع المعنيين.

ميريام فرانسوا ■ صحافية بريطانية تعمل في الـ«بي بي سي»، وتكتب في «الغارديان» ومجلة «تايم»

طباعة