العد التنازلي لإكسبو دبي 2020

    بعد تنامي المخاوف من مستقبل غامض للاتحاد الأوروبي

    بريطانيا بحاجة ماسة إلى دعم الولايات المتحدة

    صورة

    يحاول الرئيس الأميركي، جو بايدن، بناء تحالف ديمقراطي لوقف المد الذي تقوده الصين وروسيا، الأمر الذي سيقسّم العالم إلى قسمين، تاركاً أوروبا، التي خذلها رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، في وضع لا تحسد عليه، وعلى الرغم من الترحيب العام برسالة بايدن الرئيسة - وهي أن الولايات المتحدة «عادت»، بعد القومية المفرطة والمعادية للأجانب، التي تبناها الرئيس السابق، دونالد ترامب - يبدو القادة الأوروبيون غير مقتنعين، وهم قلقون من أن الاتحاد الأوروبي قد ينجرف في حرب باردة ثانية غير محدودة، وأن بايدن، الذي سيبلغ 82 عاماً عام 2024، يمكن أن يطيح به ترامب المتشدد، أو شخص مشابه له.

    وكانت الرسالة الموجهة إلى أوروبا، من خلال ميثاق حلف شمال الأطلسي (الناتو) المعادة صياغته، واضحة.

    حيوان أليف

    ومع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ستصبح لندن حيواناً أليفاً مطيعاً لواشنطن، وجونسون ليس ونستون تشرشل، لكنه، مثل الأخير في عام 1941، بحاجة ماسة إلى دعم الولايات المتحدة، وسيسعى بايدن جاهداً لتوحيد التحالف عبر الأطلسي، وهو ما يعني بالنسبة له جميع الديمقراطيات الأوروبية، بما في ذلك المملكة المتحدة، لكنّ مسار حكومة جونسون المناهض للاتحاد الأوروبي، الذي شوهد في الخلاف الأخير مع بروكسل بشأن إيرلندا الشمالية، يهدد رؤية الرئيس الأميركي.

    ويشير التدخل الاستباقي القوي، الأسبوع الماضي، من قِبَل كبار المسؤولين الأميركيين، إلى أن لندن ستضطر في النهاية إلى تقديم تنازلات، وذلك فقط لأن جونسون لم يجرؤ على تعريض العلاقات الأميركية الأوسع للخطر، ومع ذلك يبدو أن العداء بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي في طريقه إلى التعمق، وسيتعين على بايدن تشديد الخناق مرة أخرى في المستقبل.

    مخاوف أوروبية

    إن مخاوف أوروبا بشأن العزلة الاستراتيجية مع تبلور نظام عالمي ثنائي القطب ومثير للانقسام، تبدو واقعية، وإلى الشرق تقع الصين وروسيا والأنظمة ذات التفكير المماثل، في الهند وتركيا وإيران وغيرها، وهي تحتقر الأعراف الدولية التي يحددها الغرب.

    وإلى الغرب توجد الولايات المتحدة، وهي الآن قوة محطمة ومنقسمة على نفسها، ولم يعد من الممكن الاعتماد على استقرارها السياسي وثباتها، وجهود بايدن لإعادة العلاقات الدولية إلى طبيعتها مضمونة بالدعم الأوروبي طالما استمر، كما تظهر قمة «لم الشمل»، بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وحلف «الناتو».

    لكن إذا استعاد ترامب أو أتباعه السلطة، فقد يصبح الانقسام الأميركي الدائم مع أوروبا ومبادئها الليبرالية والتعددية أمراً لا مفر منه، وهذا بدوره يمكن أن يدمر الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال إذا قام الشعبويون في بولندا أو المجر بالانفصال التام عن بروكسل.

    ومن جانبه، سيكون جونسون سعيداً بعودة ترامب وانقسام الاتحاد الأوروبي، وتنعكس المخاوف بشأن مستقبل أوروبا في عالم معادٍ، في مسح جديد شامل لدول الاتحاد الأوروبي، أجراه المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، ويكشف ما يسميه مؤلفوه «انعدام الثقة على نطاق واسع بقدرة الولايات المتحدة على العودة كقائد للغرب»، ويعتقد معظم الأوروبيين أن النظام السياسي الأميركي معطل، وهذا الإحباط ليس بسبب ترامب فقط، وخلُص الاستطلاع إلى أنه «بعد مرور أكثر من عام على بدء الوباء، ترسخ الشعور بين الأوروبيين بأنهم لا يستطيعون الاعتماد على الولايات المتحدة أو روسيا أو الصين، وأن عليهم التحرك نحو مزيد من الاعتماد على الذات».

    ضغط أوروبا

    وسيتم ضغط أوروبا مثل الليمون غير الناضج، من قبل القوى العالمية المتنافسة، التي لا تشاركها قيمها ولا مصالحها، والأوروبيون لم يعودوا يثقون بأي شخص بعد الآن، وبدلاً من ذلك تعتقد الأغلبية أنه يجب على أوروبا تطوير استجابات موحدة للتهديدات العالمية، وهم يفضلون الشراكات البراغماتية على التحالفات الدائمة، ويريد كثيرون أن يكون الاتحاد الأوروبي «منارة للديمقراطية وحقوق الإنسان»، وقوة عظمى قادرة على الدفاع عن نفسها، وفي الوقت الذي يواجه الاتحاد الأوروبي أجندة استثنائية للقرن الـ21 - بما في ذلك قضايا أزمة المناخ، والوباء، والانتعاش الاقتصادي، والهجرة، والرقمنة، والتهديدات الإلكترونية، والشعبوية اليمينية - يجب أن يكون هذا الطموح موضع ترحيب من الناحية النظرية.

    ومع ذلك، يبدو أن السياسيين والبيروقراطيين، في أوروبا غير مستعدين، وفي حين أن الجمهور يريد من الاتحاد الأوروبي أن يفعل المزيد، فإن الثقة متدنية، على الأقل بسبب أخطائها في إدارة الجائحة، وقد تخطت خيبة الأمل مؤسسات الاتحاد الأوروبي الآن، لتطال مجالات أخرى، وأصبحت سائدة.

    وهذا يعكس مشكلة أوسع نطاقاً، تتمثل في ندرة القادة الوطنيين الفعالين، وقليل منهم ملتزم ببناء الاستقلال الذاتي والاكتفاء الذاتي اللذين يريدهما الناخبون الأوروبيون، وينقص التضامن عندما يتعلق الأمر بالوقوف في وجه الصين، بشأن مقاطعة شينغيانغ، وهونغ كونغ، أو في مواجهة روسيا بشأن أوكرانيا وبيلاروسيا والمعارض أليكسي نافالني، أو في مواجهة الولايات المتحدة بشأن إسرائيل وفلسطين والتجارة.

    ارتباك ألماني

    وفي ألمانيا، خلقت مغادرة المستشارة أنغيلا ميركل الوشيكة نوعاً من الارتباك، وعلى الرغم من الحديث عن ثورة خضراء، يبدو من المرجح أن يختار الناخبون (كالمعتاد) الخيار الآمن، الذي يتطلع إلى الداخل، وبالتحديد أرمين لاشيت، خليفة ميركل في حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي.

    وفي فرنسا، يدعو الرئيس، إيمانويل ماكرون، المدرك لخطط جونسون والنيات الأميركية، بانتظام إلى أوروبا متكاملة مالياً واقتصادياً وعسكرياً، ومع ذلك فإن الرئيس لم يستطع إقناع الفرنسيين، حيث تدنت شعبيته كثيراً، وعلى أي حال يتشتت انتباه ماكرون بشكل متزايد بسبب معركة إعادة انتخابه عام 2022.

    حليف ترامب

    وفي إيطاليا، أدى صعود الأحزاب اليمينية المتطرفة إلى إلهام القوميين المتطرفين وكراهية الأجانب والمتعصبين، في كل مكان، وأفكار جيورجيا ميلوني، على سبيل المثال، حول الهوية ومؤامرات العولمة تجعل منها حليفاً طبيعياً لترامب، وليس لبايدن أو بروكسل، وفي غضون ذلك يبدو من العبث التطلع إلى قيادة قوية للاتحاد الأوروبي، وإذا كان «الاتحاد» ديمقراطية حقيقية، فقد كان من المتوقع إقالة رئيسة المفوضية، أورسولا فون دير لايين، من منصبها بسبب إخفاقها في توفير اللقاح، لكن الاتحاد لا يعمل بهذه الطريقة، وهذا جزء من المشكلة.

    وبالنسبة لزعماء «الاتحاد»، فقد كرّست مجموعة السبع وَهْم القوة والهدف، وما لم تسيطر بشكل عاجل على مصيرها، فإن أوروبا ستجد نفسها بين القوى العالمية المتنافسة التي لا تشاركها قيمها ولا مصالحها، وأمام أوروبا خياران، إما أن تكون لاعباً في وضع الوقوف على المسرح العالمي، أو تخاطر بأن تصبح متحفاً ثقافياً غريباً يرتاده السياح الصينيون، وضحية لسخرية ترامب وجونسون.

    سيمون تيسدال ■ كاتب عمود

    مخاوف أوروبا بشأن العزلة الاستراتيجية، مع تبلور نظام عالمي ثنائي القطب ومثير للانقسام، تبدو واقعية، فإلى الشرق تقع الصين وروسيا والأنظمة ذات التفكير المماثل، وهي تحتقر أعراف الغرب، وإلى الغرب أميركا القوة المحطمة والمنقسمة على نفسها، ومن غير الممكن الاعتماد على استقرارها وثباتها.

    إذا استعاد ترامب أو أتباعه السلطة فقد يصبح الانقسام الأميركي الدائم مع أوروبا ومبادئها الليبرالية والتعددية، أمراً لا مفر منه، وهذا بدوره يمكن أن يدمر الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، إذا قام الشعبويون في بولندا أو المجر بالانفصال التام عن بروكسل.

    طباعة