رغم الأصوات المُطالِبة بتغيير الموقف الأميركي إزاء فلسطين

صمت بايدن أمام العنف الإسرائيلي «يحرج» إدارته

صورة

يوم السبت الماضي، قتلت غارة إسرائيلية 10 أشخاص من العائلة نفسها بعد أن ضربت الصواريخ الإسرائيلية منزلها في مخيم الشاطئ للاجئين في قطاع غزة، وكان الناجي الوحيد طفلاً، عمره خمسة أشهر، تم سحبه من بين الأنقاض. وبينما أكتب هذا المقال بلغ عدد الذين لقوا مصرعهم من الفلسطينيين نحو 189 شخصاً في قطاع غزة، بمن فيهم 52 طفلاً، إضافة إلى 10 إسرائيليين لقوا مصرعهم بينهم طفلان.

وجميع الضحايا، سواء كانوا فلسطينيين أو إسرائيليين، هم من الأبرياء، ويستحقون الحزن والحداد عليهم، والأمر الأكثر إيلاماً معرفة أن تعداد الضحايا في ازدياد مستمر، مع استمرار هذا الصراع، وبالطبع فإن تعداد من يُقتلون من الفلسطينيين أكثر بكثير من الإسرائيليين. وهذه الحقيقة، إضافة إلى نحو سبعة عقود من تشريد الفلسطينيين، وما يجري في حي الشيخ جراح كجزء من هذا التشريد، أدت إلى تكاتف المعارضة العالمية لأعمال إسرائيل التي ترتكبها الآن، واندلعت تظاهرات شعبية في شتى أنحاء العالم دعماً للحقوق الفلسطينية، وبالنظر إلى أن الولايات المتحدة قدمت الدعم المالي والعسكري والدبلوماسي لإسرائيل، يتساءل كثيرون أين إدارة الرئيس جو بايدن خلال هذه اللحظة الحاسمة؟

موقف غامض

ولا يمكن وصف موقف بايدن بأنه واضح ورائد في دبلوماسية الشرق الأوسط، وأشارت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى أن إدارة بايدن لم تفعل شيئاً ولم تحقق أي شيء حتى الآن، ووصفتها محطة الإذاعة الوطنية الأميركية بأنها «صامتة»، وفي واقع الأمر فإنها أشد سوءاً من ذلك بكثير، فهذه الإدارة لم تكن ردة فعلها هادئة نسبياً وإنما كانت متوقعة، وغير مبالية، وليست بأقل من وصمة عار.

وعندما سأل الصحافيون بايدن، يوم الخميس الماضي، عما إذا كان رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، يحاول بجهدٍ «وقف أعمال العنف وعدم التصعيد»، أجابهم بايدن: «حتى الآن ليس هناك أي رد فع مُبالغ به» من قبل الإسرائيليين، وبالنظر إلى الحجم المرعب من القتل والتدمير الذي يحدث في غزة، لا يستطيع المرء إلا أن يتساءل مع نفسه: متى سيعتبر رئيسنا أن ردة فعل الإسرائيليين أصبحت مبالغاً بها.

إعاقة البيانات

وعملت إدارة بايدن، ثلاث مرات، على إعاقة صدور بيانات من مجلس الأمن الدولي بشأن هذه الأزمة، وكانت وحدها تعارض عقد جلسة مفتوحة لمجلس الأمن الدولي حول قصف غزة. ولم يتمكن المتحدث باسم الخارجية الأميركية، عند الضغط عليه، من القول إن الفلسطينيين أيضاً لهم الحق في الدفاع عن أنفسهم، ولم يصل مبعوث الإدارة الأميركية إلى المنطقة حتى يوم السبت، ولم تعين إدارة بايدن حتى الآن سفيرها في إسرائيل.

وفي الوقت الذي تدعي الإدارة بالأميركية أنها تعمل «خلف الكواليس» لحل هذه الأزمة، يبدو هذا الادعاء ليس أكثر من مجرد ذريعة لكون الإدارة غير مستعدة للتكاليف الصعبة للسياسة الخارجية، وفي الوقت ذاته تتبنى أسلوب عمل عدمي كالمعتاد، للتغطية على سياسات إسرائيل العدوانية. وإذا كانت هذه هي الحال فإن كلاً من الفلسطينيين والأميركيين سيخسرون، فالفلسطينيون يخسرون العشرات بل المئات من الأرواح، وأما الأميركيون فيخسرون سمعتهم و نفوذهم.

لكن من الذي يكسب؟ لا أحد يكسب باستثناء بنيامين نتنياهو، الذي كان على وشك خسارة منصب رئيس الحكومة، بعد الفشل المتكرر في تشكيل حكومة ائتلافية، حيث جرت في إسرائيل أربعة انتخابات خلال عامين، وفي الوقت ذاته فإن نتنياهو يواجه تهماً بالفساد.

لكن هذه هي الصفقة، كما يقول بايدن، ولم يعد إذعان الرئيس لرغبات إسرائيل، كما هي العادة لدى الأميركيين، يمثل الإجماع السياسي لحزبه، ويبدو أن الولايات المتحدة في حالة تغيّر، وكذلك الحزب الديمقراطي أيضاً، إثر ظهور تشققات في الجدار الذي كان يفصل تاريخياً أي انتقاد لإسرائيل عن السياسة الأميركية، وكان هذا التغير جلياً بصورة شجاعة ومؤثرة في أرضية مجلس النواب، الأسبوع الماضي.

وقالت عضو المجلس، ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز، خلال «ساعة نظام خاصة» قام بتنظيمها العضوان في مجلس النواب، مارك بوكان وماري نيومان: «يجب أن تعترف الولايات المتحدة بالظلم والانتهاك لحقوق الإنسان اللذين يتعرض لهما الفلسطينيون»، وأضافت: «الأمر يتعلق بانعدام التكافؤ في القوى»، واصفة نتنياهو بأنه «عنصري قومي ويميني متطرف»، ولم تكن لوحدها بهذا الرأي. وتساءل عضو آخر: كيف تقوم حكومة الولايات المتحدة ببيع الفلسطينيين مجرد الكلام، وقالت العضو رشيدة طليب: «أنا العضو الوحيد من أصول فلسطينية في الكونغرس، ومجرد وجودي يذكّر الحاضرين بأن الفلسطينيين موجودون».

معاناة مشتركة

وقالت العضو في مجلس النواب، أيانا بريسلي: «الفلسطينيون يعانون مثل السود في الولايات المتحدة، ونحن نشهد انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان، والألم والظلم والإرهاب، التي يواجهها الفلسطينيون، ليست نتيجة ما يجري في غزة أخيراً، لكن نتيجة سنوات طويلة من الاحتلال العسكري».

وأوضحت العضو في الكونغرس، كوري بوش، وهي من أصول إفريقية، كيف أن «المعدات ذاتها التي يستخدمونها ضدنا، يتم إرسالها إلى إسرائيل لاستخدامها ضد الفلسطينيين».

ولم يشهد الكونغرس من قبل مثل هذا الدعم القوي لحياة الفلسطينيين، لكن المهم ليس الدعم فقط وإنما الطريقة التي تم بها، وعندما تحدثت أوكاسيو-كورتيز، ربطت بعلاقة شخصية بين بورتو ريكو وفلسطين، وقالت بريسلي إنها كامرأة سوداء تدرك تماماً وحشية الشرطة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين.

وأطلقت بوش تغريدة قالت فيها: «كفاح السود والفلسطينيين من أجل الحرية متشابك، ولن نتوقف حتى نتحرر جميعنا»، واعتبرت كل هؤلاء النسوة الأعضاء في الكونغرس الأميركي أن كفاحهن من أجل تحرير فلسطين أمر شخصي للغاية، وكأنهن يلتقين جميعاً عند تقاطع حياتهن الجماعية.

تغيير

ولطالما كان يتم النظر إلى الفلسطينيين منذ أمد بعيد باعتبارهم إما مشكلات يجب حلها أو قصفها بالقنابل، لكن عندما يتم النظر إليهم باعتبارهم بشراً، وعندما يتم استيعاب فهم نضالهم وتحديده، فسيتغير كل شيء، وهذا التغير الذي شهدناه في مجلس النواب، كان قبولاً للتعاطف مع الفلسطينيين، وهذا التغيير بحد ذاته يعد كالزلزال الذي يحرك الأرض.

وتمثل هذه الأصوات في السياسة الأميركية، التي تطالب بشيء مختلف عما هو مألوف، طريقة جديدة في النظر إلى فلسطين والفلسطينيين، وبخلاف ما تقدمه هذه الإدارة، فإن هذه المطالب يمكن أن نسميها القيادة، وهي مطالب سيتم، لا بل يجب، الاستماع لها.

• بالنظر إلى أن الولايات المتحدة قدمت الدعم المالي والعسكري والدبلوماسي لإسرائيل، يتساءل كثيرون أين إدارة الرئيس جو بايدن خلال هذه اللحظة الحاسمة.

• فيما تدعي الإدارة الأميركية أنها تعمل «خلف الكواليس» لحل هذه الأزمة، يبدو هذا الادعاء ليس أكثر من مجرد ذريعة، لكون الإدارة غير مستعدة للتكاليف الصعبة للسياسة الخارجية، وفي الوقت ذاته تتبنى أسلوب عمل عدمي كالمعتاد، للتغطية على سياسات إسرائيل العدوانية.

أيانا بريسلي:

• «الفلسطينيون يعانون مثل السود في الولايات المتحدة، ونحن نشهد انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان، والألم والظلم والإرهاب، التي يواجهها الفلسطينيون، ليست نتيجة ما يجري في غزة أخيراً، لكن نتيجة سنوات طويلة من الاحتلال العسكري».

مصطفى بيومي - كاتب أميركي من أصل فلسطيني

 

طباعة