بعد الانسحاب الأميركي

الهند وباكستان أمام وضع جديد فـي أفغانستان يُنذر بالمـخاطر

صورة

بعد مغادرة آخر جندي أميركي لأفغانستان في سبتمبر، ستجد الهند وباكستان نفسيهما أمام بعض الخيارات الصعبة والبغيضة للغاية، في التعامل مع الوضع الذي سينتج بعد الانسحاب. وفي هذه الأثناء بدأت القوات الأميركية في أفغانستان بجمع عتادها الحربي، بعد أن أعلن الرئيس جو بايدن، الشهر الماضي، أن جميع القوات الأميركية ستغادر أفغانستان بحلول سبتمبر 2021، بعد وجود عسكري دام ما يقرب من عقدين من الزمن في البلاد.

وفي دفاعه عن قراره سحب جميع القوات الأميركية من أفغانستان، قال بايدن إنه «مع انتشار التهديد الإرهابي الآن في العديد من الأماكن، فإن إبقاء الآلاف من القوات على الأرض وتركيزها في دولة واحدة فقط، وإنفاق مليارات الدولارات عليها كل عام لا معنى له بالنسبة لي ولقادتي». ويسترسل «أنا الآن رابع رئيس أميركي يشهد وجود القوات الأميركية في أفغانستان: جمهوريان، وديمقراطيان، ولهذا فإنني لن أنقل هذه المسؤولية إلى رئيس خامس».

ودعا بايدن دول المنطقة، خصوصاً باكستان، إلى تقديم مزيد من الدعم لأفغانستان. ولطالما اتهم المجتمع الدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة، باكستان بدعم الجماعات المسلحة في أفغانستان، بما في ذلك حركة «طالبان» الأفغانية، التي قوضت إلى حد ما جهود الحرب التي تبذلها واشنطن.

اتهام بالتواطؤ مع «طالبان»

عام 2018، غرّد الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، على «تويتر» بأن واشنطن «قدمت بحماقة أكثر من 33 مليار دولار من المساعدات لباكستان على مدار الـ15 عاماً الماضية، لكن إسلام أباد قدمت في المقابل ملاذاً آمناً للإرهابيين الذين نطاردهم في أفغانستان، مع قليل من المساعدة لنا». وفي خطاب آخر استعرض فيه سياسته الأفغانية، اتهم ترامب باكستان، قائلاً إن الولايات المتحدة «لا يمكن أن تصمت بشأن ملاذات باكستان الآمنة للمنظمات الإرهابية». إلا أن باكستان بدأت تدعم محادثات السلام الأميركية الأفغانية خوفاً من احتمال اتخاذ إجراء عقابي ضدها من جانب الولايات المتحدة، وبذلك يمكن القول إن باكستان تدعم محادثات السلام الأميركية مع «طالبان».

وبدأ ترامب المفاوضات مع «طالبان» في عام 2018، بهدف إنهاء الحرب المستمرة منذ 18 عاماً في أفغانستان. وتم توقيع اتفاقية تُعرف باسم اتفاق الدوحة في أوائل عام 2020 بين الولايات المتحدة و«طالبان»، والتي اقترحت خارطة طريق لسحب القوات الدولية من أفغانستان في غضون 14 شهراً، ومهدت الطريق لبدء المفاوضات بين الأفغان.

ولعبت باكستان دوراً مهماً في دفع «طالبان» لتوقيع الاتفاقية مع الولايات المتحدة. وقال رئيس القيادة المركزية الأميركية، الجنرال كينيث ماكنزي، أمام لجنة بمجلس الشيوخ الأميركي العام الماضي: «لقد كان دعم باكستان مهماً جداً في توجيه (طالبان) للمجيء إلى المفاوضات، وسيكون دعمها المستمر مهماً للغاية في هذا الوضع الصعب لتقرير ما إذا كانت الحركة جادة بالفعل بشأن هذه الاتفاقية، وأنهم سيفون بالتزاماتهم».

حدود خطرة

وتشارك باكستان حدوداً غاية في الخطورة يبلغ طولها 2670 كيلومتراً مع أفغانستان. ولطالما كانت المنطقة الجبلية الحدودية ملاذاً آمناً للعديد من الجماعات المسلحة، بما في ذلك حركة «طالبان» الأفغانية. وحكمت الجماعة أفغانستان خلال الفترة من عام 1996 إلى عام 2001، وقدمت ملاذات آمنة لتنظيم «القاعدة». ومنذ أوائل التسعينات، دعمت باكستان حركة «طالبان» في أفغانستان، في محاولة لدفع مصالحها الأمنية الإقليمية. وكانت باكستان واحدة من الدول القليلة التي أقامت علاقات دبلوماسية مع حكومة «طالبان» عندما تولت السلطة في كابول.

وفي حين أن الغزو الأميركي لأفغانستان في عام 2001 قد أجبر «طالبان» على الخروج من السلطة، فقد قاتلت الجماعة لطرد القوات الدولية من أفغانستان في محاولة للعودة إلى السلطة، وهو أمر طالما أرادته باكستان ودعمته على الرغم من ردود الفعل الدولية.

وعلى مدى عقود، دعمت باكستان الجماعات المسلحة في أفغانستان بدلاً من الحكومات المنتخبة. وخلق خيار السياسة هذا مشكلة لصورة باكستان في أفغانستان وأماكن أخرى، ما جعل باكستان جزءاً من المشكلة بدلاً من حلها. ويمكن القول إن انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان يوفر لباكستان فرصة لإعادة رسم صورتها الدولية من خلال لعب دور رئيس في تشجيع التعاون الإقليمي لضمان الاستقرار في أفغانستان. ويقدم ذلك لباكستان فرصة لتثبت للمجتمع الدولي أن البلاد قد تخلت عن سلوكها السابق في دعم الجماعات المسلحة في أفغانستان.

ويقول مؤلف كتاب «إحياء طالبان: العنف والتطرف»، حسن عباس، إن «على باكستان أن تبني الثقة مع جميع الأعراق والقوى السياسية الأفغانية، كي لا يُنظر إليها على أنها مجرد مؤيدة لـ(طالبان)، أو النظر اليها من قبل العديد من الأفغان على أنها راعية للحركة» على الحدود الباكستانية الأفغانية.

ومنذ بدء محادثات السلام قبل ثلاث سنوات، اكتسبت باكستان سمعة طيبة من خلال لعبها دوراً فاعلاً كوسيط. ومع ذلك، فإن هذا الجهد من جانب إسلام أباد ربما كشف أيضاً عن حدود تأثير الدولة على المجموعة. وورد أن باكستان أبلغت «طالبان»، أخيراً، أن الجماعة قد تفقد دعمها إذا لم تظهر المرونة في عملية السلام الجارية. ويقال إن القيادة الباكستانية استخدمت عبارات «كفى، كفى» للتعبير عن استيائها من «طالبان».

ومع ذلك، قد يصبح دور باكستان في عملية السلام الأفغانية غير ذي صلة إلى حد كبير، إذا أصبحت التقلبات المتوقعة في أفغانستان مشكلة أمنية أكبر للبلاد. ويحذر المحللون من أن انسحاب القوات الأميركية يعني عدم استقرار متزايد في أفغانستان، مع تداعيات أمنية مزعجة محتملة على باكستان نفسها.

ويقول المحلل في مركز ويلسون بواشنطن، مايكل كوجلمان: «إن تصاعد عدم الاستقرار في أفغانستان سينتج عنه آثار غير مباشرة: زيادة في تدفقات اللاجئين، وتجارة مخدرات أكثر قوة، وخطر متزايد من الإرهاب عبر الحدود، وهو ما لا تريده باكستان».

في غضون ذلك، استمرت المخاوف في التصاعد بشأن قدرة القوات الأفغانية على صد حركة «طالبان» من دون وجود القوات الأميركية في البلاد. وحذر تقييم سري لوكالات المخابرات الأميركية تم إعداده خلال فترة وجود ترامب في البيت الأبيض، من أن أفغانستان يمكن أن تسيطر عليها «طالبان» في غضون عامين إلى ثلاثة أعوام، إذا غادرت الولايات المتحدة أفغانستان دون ضمان اتفاق لتقاسم السلطة بين الفصائل المتحاربة في أفغانستان.

الهند على خط الأزمة

إذا حدث هذا وسقطت عملية السلام، فستضطر باكستان إلى العودة إلى سياستها القائمة منذ عقود في دعم «طالبان». ولعقود من الزمان، كان أحد الأهداف الرئيسة لباكستان في أفغانستان هو إبقاء الهند في مأزق بمساعدة الجماعات المسلحة، مثل حركة «طالبان» الأفغانية وشبكة حقاني. ولا ينبغي أن يكون مفاجأة إن واصلت باكستان دعمها للحركة، على الرغم من حقيقة أن البلاد دفعت ثمناً باهظاً من الناحية الاقتصادية، وواجهت التشدد على أراضيها، وكسبت النية السيئة في الخارج.

ويعتمد دور إسلام أباد في أفغانستان ما بعد الانسحاب، على مدى تماسك عملية السلام. وطالما استمرت عملية السلام، فإن باكستان ستفعل ما في وسعها لدعمها، لأن لديها مصلحة قوية في عملية السلام التي تؤدي إلى تسوية سياسية، لأن الحرب المستديمة قد يكون لها آثار غير مرغوب فيها في باكستان، كما يقول كوجلمان.

ويهدد سيناريو الحرب بشكل مباشر المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية للهند في أفغانستان وأماكن أخرى. لقد حان الوقت لإعادة توجيه الهند سياساتها في أفغانستان، لاسيما علاقتها مع «طالبان» في أعقاب انسحاب القوات الأميركية، إذا كانت البلاد تريد حماية مصالحها. ولطالما ظلت الهند تدعم الحكومة في كابول بينما تنأى بنفسها عن «طالبان». ومنذ مؤتمر بون 2001، الذي مهد الطريق لتشكيل حكومة مؤقتة بعد انهيار نظام «طالبان» حتى يومنا هذا، واصلت الهند سياسة ثابتة في التعامل مع الحكومات الأفغانية المتعاقبة. وفي التسعينات، دعمت نيودلهي التحالف الشمالي ضد «طالبان» المدعومة من باكستان، وعارضت باستمرار عودة «طالبان» إلى السلطة بأي شكل من الأشكال.

ومع ذلك، فإن الانسحاب الأميركي سيجعل «طالبان» أقوى، إما من خلال أن يكون لها اليد العليا في المفاوضات مع كابول، أو من خلال اكتسابها ميزة كبيرة في ساحة المعركة، أو كليهما معاً.

دعوات إلى الهند للتواصل مع «طالبان»

تشير الديناميكيات المتغيرة في أفغانستان إلى أن نيودلهي ربما تفكر في فتح محادثات مع «طالبان». وفي كلمته أمام المحادثات بين الأطراف الأفغانية، العام الماضي، كرر وزير الشؤون الخارجية الهندي، إس. جايشانكار، دعم بلاده لعملية سلام يقودها ويسيطر عليها الأفغان. وامتنع عن تقديم أي وجهة نظر حول مشاركة «طالبان». ربما تود واشنطن أيضاً أن تتبع الهند هذا النهج السياسي، نظراً لأن المجموعة تستعد للعودة إلى السلطة بشكل أو بآخر، ويمكن أن تخدم مشاركة الهند مع «طالبان» في النهاية مصالح الولايات المتحدة أيضاً.

في العام الماضي، دعا المبعوث الأميركي الخاص للمصالحة في أفغانستان، زلماي خليل زاد، الهند إلى التواصل مع حركة «طالبان» الأفغانية، و«مناقشة مخاوفها المتعلقة بالإرهاب بشكل مباشر»، مضيفاً أن واشنطن تريد من نيودلهي «الاضطلاع بدور أكثر نشاطاً في عملية السلام الأفغانية».

وفي الوقت نفسه، تؤكد الهند بشكل قاطع أنها لن تدعم حكومة «طالبان» في كابول، كما هو واضح من بيان صحافي مشترك بين الاتحاد الأوروبي والهند في 4 مايو حول أفغانستان. وفي حين أن الحكومة الهندية من المرجح أن تكون قلقة بشأن تصاعد العنف واحتمال عودة الحركة الموالية لباكستان إلى كابول، فإن البلاد لم تتخذ بعد قراراً بشأن مسألة إشراك «طالبان». ومن المحتمل أن تكون الحكومة الهندية قلقة بشأن ما يعنيه انسحاب القوات الأميركية بالنسبة للمستقبل السياسي لأفغانستان بالنظر إلى علاقة باكستان الوثيقة مع «طالبان» الأفغانية.

• طوال عقود دعمت باكستان الجماعات المسلحة في أفغانستان بدلاً من الحكومات المنتخبة. وخلق خيار السياسة هذا مشكلة لصورة باكستان في أفغانستان وأماكن أخرى، ما جعل باكستان جزءاً من المشكلة بدلاً من حلها. ويمكن القول إن انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان يوفر لباكستان فرصة لإعادة رسم صورتها الدولية من خلال لعب دور رئيس في تشجيع التعاون الإقليمي لضمان الاستقرار في أفغانستان.

• قد يصبح دور باكستان في عملية السلام الأفغانية غير ذي صلة إلى حد كبير، إذا أصبحت التقلبات المتوقعة في أفغانستان مشكلة أمنية أكبر للبلاد.

طباعة