أكبر انخفاض سنوي في عدد السكان منذ الحرب العالمية

مغادرة مليون مهاجر تغيّر المعادلة الاقتصادية والاجتماعية في بريطانيا

صورة

عندما هاجرت عائلتي إلى لندن، من الولايات المتحدة، في أوائل السبعينات، كانت الأمور تسير عكس التيار، إذ تقلص عدد سكان وسط لندن بمقدار الخمس في ذلك العقد، ولكن منذ ذلك الحين، اعتدنا على النمو السكاني المستمر، لاسيما في لندن وجنوب شرق إنجلترا، مدفوعاً بتدفقات الأشخاص من الخارج، وارتفاع متوسط العمر المتوقع. وعلى مدار الـ20 عاماً الماضية، بلغ متوسط النمو السكاني السنوي للمملكة المتحدة نحو 400 ألف. وعلى الرغم من شيخوخة السكان، فقد دفع ذلك النمو في القوى العاملة والاقتصاد ككل، وفي الفترة نفسها، أوجدت المملكة المتحدة ما يقرب من ستة ملايين وظيفة إضافية. وتغير ذلك في عام 2020.

مع ارتفاع عدد الوفيات بسبب فيروس «كوفيد ـ 19»، إلى أعلى مستوى خلال قرن، وتراجع معدلات المواليد، يبدو من المرجح أن عدد الأشخاص الذين ماتوا أكثر من الذين ولدوا للمرة الأولى منذ عام 1976. وتشير أحدث أرقام مكتب الإحصاء الوطني إلى أن مليون شخص قد غادروا بريطانيا، بحلول نهاية عام 2020. وسيمثل هذا، إلى حد بعيد، أكبر انخفاض سنوي في عدد السكان المقيمين منذ الحرب العالمية الثانية، مع تضرر لندن بشكل خاص.

ويعد جمع البيانات وتفسيرها أثناء الوباء أمراً بالغ الصعوبة، وقد تكون هذه الأرقام الفعلية مرتفعةً أو منخفضةً، بشكل كبير. ولا شك في أن هذا الانعكاس في اتجاهات الهجرة كان كبيراً وحقيقياً ومفاجئاً. ولم تتمكن سياسات تيريزا ماي المعادية، ولا خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، من تحقيق هذا الهدف، لكن «كورونا» فعل ذلك. من ناحية، لا ينبغي أن يكون هذا مفاجئاً، فقد كانت المملكة المتحدة من بين أكثر البلدان تضرراً في العالم، من الناحيتين الصحية والاقتصادية، بسبب الموجة الأولى من الوباء. وفي غضون ذلك، كانت لندن، حيث يتركز السكان المهاجرون في المملكة المتحدة، أسوأ حالاً، إذ شهدت وفيات أكثر من أي منطقة أخرى، وارتفاعاً أكبر في أعداد المطالبين بالمزايا والتعويضات.

وعلاوة على ذلك، فإن بعض القطاعات الأكثر تضرراً من عمليات الإغلاق، بما في ذلك خدمات الطعام، والبيع بالتجزئة، والضيافة، تعتمد أيضاً بشكل كبير على العمال من الخارج.

بقاء مكلف

ويعيش معظم المهاجرين الجدد في مساكن مستأجرة، ما يجعل المغادرة أسهل، بينما البقاء أكثر كلفة، في أوقات الأزمات. وإذا فقد أحدهم وظيفته، أو وجد نفسه في إجازة غير مدفوعة، فلماذا يخاطر بصحته ورصيده المصرفي، بينما لديه خيار العودة إلى مكان أكثر أماناً، حيث يمكنه أن يكون مع العائلة والأصدقاء؟

قد يكون هناك أنواع أخرى من المهاجرين، مثل الطلاب والعمال الموسميين، وأولئك الموجودين هنا في مهام قصيرة الأجل، قد عادوا، أيضاً، إلى بلدانهم الأصلية. ولكن ماذا سيحدث بعد ذلك؟

في إطار أحد السيناريوهات، سيؤدي التعافي المصمم على فعالية للقاح إلى انتعاش في الاقتصاد. وتماماً كما كانت لندن، من منظور صحي واقتصادي، ربما أسوأ مكان في أوروبا، في ربيع عام 2020، فقد تكون الأفضل في صيف عام 2021. وسيعود العديد من الذين غادروا، إما إلى وظائفهم القديمة أو إلى شركات جديدة، حيث تملأ الشركات الجديدة الفجوات في قطاعات مثل المطاعم. ولكن ليس من الصعب بناء سيناريو بديل أكثر كآبة. وبينما من المحتمل أن ينتعش الاقتصاد بشكل عام، إذ إن الأسر الميسورة نسبياً قد تنفق الأموال التي ادخرتها في الإغلاق. كما أن الوظائف، خصوصاً في قطاعات الخدمات في المدن، مثل المقاهي والمطاعم، قد لا تزدهر، وقد يقرر العديد من المسافرين السابقين مواصلة العمل من المنزل لبعض الوقت أو معظمه. وستجعل القيود المفروضة على السفر الدولي، الهجرة، أكثر صعوبة، وستتضرر الشركات، وعلى رأسها الفنادق والفنون والثقافة، التي تعتمد على السياحة.

وقد يبتعد الطلاب الدوليون، الذين خافوا من تجربة العام الماضي، تماماً، أو يختارون دورات أرخص عبر الإنترنت. ولم يكن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هو المحرك الرئيس للهجرة المعاكسة، خلال العام الماضي، والتي تركزت بشكل كبير في الأشهر القليلة الأولى من الوباء، ويبدو أنها أثرت على المهاجرين من خارج الاتحاد الأوروبي، وكذلك على الأوروبيين. ولكنها قد تساعد بالتأكيد في إقناع الناس بعدم العودة إلى بريطانيا. وفي حين أن العديد من أولئك الذين غادروا سيحصلون على الحق في العودة، فلن يكون للآخرين سوى «حالة التسوية المسبقة»، أو لا شيء على الإطلاق. وكانت وزارة الداخلية البريطانية غامضة بشأن حقوقهم.

وبالطبع، فإن النظام الجديد لما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، سيجعل من الصعب على المهاجرين الجدد من الاتحاد القدوم إلى هنا. وماذا يعني هذا لمجتمعنا واقتصادنا؟

قد تكون بعض التغييرات موضع ترحيب، وقلة الناس تعني ضغطاً أقل على الإسكان والخدمات العامة، وربما، على الأقل للبعض، إسكاناً ميسوراً الكلفة. وفي الواقع، يبدو أن الإيجارات في مراكز المدن آخذة في الانخفاض، حتى مع ازدهار سوق الإسكان بشكل عام. وإذا ظلت معدلات البطالة مرتفعة، خصوصاً بين الشباب، فلماذا نحتاج أو نريد المزيد من الناس؟

اعتماد كبير

ولكن هذا جانب واحد فقط من القصة. وتعتبر تكاليف السكن المرتفعة وازدحام وسائل النقل العام من مشكلات النجاح. وقد يؤدي انخفاض الهجرة إلى تخفيفها في البداية، ولكنه يعني، أيضاً، انخفاض النمو، وانخفاض الإيرادات الضريبية، كما أوضح مكتب الميزانية في توقعاته، الأسبوع الماضي. ونحن لا نعتمد على الهجرة، فقط، بالنسبة للعمال الزراعيين والمقاهي والمطاعم، ولكن، أيضاً، للشركات التقنية الناشئة والصناعات الإبداعية والجامعات، وهي القطاعات الأكثر ديناميكية في اقتصاد المملكة المتحدة.

وبشكل عام، خلقت الهجرة وظائف، وعززت الابتكار والإنتاجية، وجعلتنا جميعاً أكثر ثراءً. وخلال الوباء، فإن خدماتنا العامة، والقطاعات الأخرى التي أدركنا أنها «أساسية»، غالباً ما يعمل بها مهاجرون، وهذه ليست مشكلة لندن فقط.

ويشير التاريخ إلى أن اقتصاد لندن يتمتع بالمرونة وسيتعافى، وإن كان قد تغير، وهذا ليس صحيحاً بالنسبة لأجزاء أخرى من البلاد، لاسيما تلك التي كان عدد السكان فيها راكداً بالفعل أو ينخفض. وبينما، لحسن الحظ، ستنخفض معدلات الوفيات مع انتهاء الوباء، لن تختفي شيخوخة السكان، ومن دون الهجرة، ستتقلص القوة العاملة في المملكة المتحدة على مدى العقود القادمة، مع المزيد من المتقاعدين، الذين سيكونون بحاجة للدعم والرعاية. ومع ذلك، فإن التأثيرات الاجتماعية الأوسع مهمة، أيضاً.

ستكون بريطانيا الأقل انفتاحاً، وأكبر سناً، وأقل حركة، وأقل تنوعاً وأكثر انعزالًا. ومن المفارقات أن هذا الانعكاس يأتي تماماً كما يبدو أن مواقفنا تجاه الهجرة تتحول في اتجاه أكثر إيجابية. ولكن لا شيء من هذا لا مفر منه، وهناك الكثير الذي يمكن للحكومة القيام به. وعلى سبيل المثال، توضيح أن أولئك الذين غادروا مؤقتاً، بسبب الوباء، يمكنهم العودة، وتقليل الرسوم السخيفة والتمييزية للتسوية والمواطنة.

يجب أن يسهل نظام الهجرة الجديد، بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، الأمور للمهاجرين المحتملين، من خارج الاتحاد الأوروبي. وعلى الرغم من أن آثاره لاتزال غير مؤكدة، إلى حد كبير، إلا أن قرار الحكومة بتقديم تأشيرات إقامة للقادمين من هونغ كونغ، يمكن أن يكون دفعة قوية لبريطانيا العالمية أو لإنجلترا الصغيرة؟ ويبقى الخيار لنا.

جوناثان بورتس: أستاذ الاقتصاد والسياسة العامة في الكلية الملكية في لندن، وموظف حكومي كبير سابق.


400

ألف نسمة هو متوسط النمو السكاني السنوي للمملكة المتحدة، على مدار الـ20 عاماً الماضية.

- تعتبر تكاليف السكن المرتفعة، وازدحام وسائل النقل العام، من مشكلات النجاح. وقد يؤدي انخفاض الهجرة إلى تخفيفها في البداية، ولكنه يعني، أيضاً، انخفاض النمو، وانخفاض الإيرادات الضريبية، كما أوضح مكتب الميزانية في توقعاته، الأسبوع الماضي.

- سيؤدي التعافي المصمم على فعالية اللقاح إلى انتعاش في الاقتصاد. وتماماً كما كانت لندن، من منظور صحي واقتصادي، ربما أسوأ مكان في أوروبا، في ربيع عام 2020، فقد تكون الأفضل في صيف عام 2021.

 

طباعة