إقليم ناغورني قره باغ نقطة خلاف شديد بينهما

القومية والتاريخ يشعلان نزاعاً مزمناً بين أذربيجان وأرمينيا

صورة

اشتد القتال حول إقليم ناغورني قره باغ المتنازع عليه، على طول الحدود بين أرمينيا وأذربيجان، ما أسفر عن مقتل العشرات وتدمير مروحيات ودبابات، واستدعى البلدان احتياطيهما، وأعلنا الأحكام العرفية وحالة الحرب في بعض المناطق، والواقع أن القتال بين الطرفين أمر طبيعي، مع وقوع مئات الحوادث على مدى السنوات الماضية، لكن جولة العنف هذه تنذر بالانتقال إلى حرب شاملة، كما حدث في التسعينات.

الصراع المنسي

إنه الصراع الكبير المنسي الناجم عن تفكك الاتحاد السوفييتي، الذي استمر من 1992 إلى 1994، وبالكاد لاحظه الغربيون، على الرغم من مقتل ما لا يقل عن 20 ألف شخص، وتشريد مليون شخص من خلال التطهير العرقي، 70% منهم أذربيجانيون فروا من الأراضي التي يسيطر عليها الأرمن، بينما فر الباقون من الأرمن من الأراضي التي تسيطر عليها أذربيجان. ومركز الحرب هو ناغورني قره باغ، وهي منطقة جبلية جميلة، واسمها يعني حرفياً «الحديقة السوداء الجبلية»، التي تلعب دوراً قوياً في الخيال الرومانسي لكلا البلدين.

كجزء من الاستيلاء السوفييتي على منطقة القوقاز في 1919-1920، تم منحها لجمهورية أذربيجان الاشتراكية السوفييتية، على الرغم من وجود عدد كبير من السكان الأرمن، ولم تكن هذه مشكلة كبيرة طالما كانت أرمينيا وأذربيجان جزءاً من الإمبراطورية السوفييتية، وعاش العديد من الأرمن في الجمهورية المجاورة لهم، والعكس صحيح. وكانت الاختلافات الدينية بين أرمينيا ذات الأغلبية المسيحية، وأذربيجان ذات الأغلبية المسلمة، أقل أهمية في دولة ملحدة رسمياً، لكن عندما أصبحت الاحتجاجات العرقية والدينية أكثر قبولاً في الثمانينات، بدأ السكان الأرمن الشكوى بقوة بشأن وضعهم.

انفجر ذلك بأعمال عنف في 1989-1990، في كل من ناغورني قره باغ، ومدينتَي باكو وسومقايت الأذربيجانيتين، حيث أدت المذابح الموجهة ضد الأرمن إلى فرض الجيش السوفييتي الأحكام العرفية لمحاولة وقف العنف، لكن دون جدوى. وبحلول عام 1991، مع انهيار الاتحاد السوفييتي، كانت الحرب بين الدولتين اللتين استقلتا حديثاً، على الأراضي المتنازع عليها، والتي أعلنت من جانب واحد استقلالها عن أذربيجان، أمراً لا مفر منه، خصوصاً أن القادة رأوا في التعصب القومي طريقاً سهلاً لتعزيز سلطتهم.

خسارة مرفوضة

تسببت خسارة الحرب في صدمة عميقة في أذربيجان، ليس فقط بسبب خسارة الأراضي ومعاناة الأذربيجانيين الذين طردتهم القوات الأرمينية، لكن أيضاً بسبب الفارق النسبي وقوة البلدين، إذ يبلغ عدد سكان أذربيجان ثلاثة أضعاف عدد سكان أرمينيا، وأدى ذلك إلى مجموعة كبيرة من نظريات المؤامرة حول الخسارة، بما في ذلك الاعتقاد السائد بأن الولايات المتحدة قد دعمت الجانب الأرميني سراً، وفي الواقع كانت القوات الأرمينية ببساطة أفضل قيادة وأقل فساداً وأكثر التزاماً، كما فضلت روسيا بشكل متزايد أرمينيا، وأرسلت شحنات من الأسلحة وقدمت التدريب العسكري.

في عام 2004، أرسلت أرمينيا وأذربيجان ضباطاً عسكريين إلى دورة في بودابست، يديرها «الناتو» للأعضاء من خارج الحلف، وفي منتصف إحدى الليالي قتل ضابط أذربيجاني يدعى راميل سفروف، أحد الضباط الأرمن خلال نومه بفأس، ثم حاول قتل آخر، ولم يخدم سفروف في حرب ناغورني قره باغ، لكنه كان من بلدة تحتلها أرمينيا الآن.

قد يكون هذا عملاً فردياً، لكن بعد أن تمكنت أذربيجان من نقل سفروف من المجر إلى أذربيجان لقضاء ثماني سنوات في السجن بتهمة القتل، أصدر الرئيس عفواً عنه على الفور، ورفعه إلى رتبة رائد، ومنحه شقة وتعويضاً مالياً، ووصفه وزير الخارجية بأنه «زُج به في السجن بعد أن دافع عن شرف بلاده وكرامة شعبها».

صراع مُجمّد

من أجل الحفاظ على موقف أقوى في المفاوضات وتجنب مزاعم العدوان، حافظت أرمينيا على ناغورني قره باغ كجمهورية مستقلة اسمياً بدلاً من دمجها في أراضيها، ولعبت الولايات المتحدة وروسيا دوراً مهماً في المحاولات الطويلة الأمد، لكنها غير مجدية، إلى حد كبير لإيجاد حل دائم لهذه القضية، وعلى الجانب الأميركي يعتبر الأميركيون الأرمن مجموعة ضغط ذات نفوذ معتدل، لكن أذربيجان استثمرت بكثافة في العلاقات مع شركات النفط الأميركية.

من الناحية النظرية، اتفق الجانبان على مبادئ مدريد، في منتصف العقد الأول من القرن الـ21، التي قضت بتخلي أرمينيا عن محيط الأراضي التي تحتلها حول ناغورنو قره باغ، ويعود النازحون إلى ديارهم، وتضمن كل من الدول والقوى الخارجية حقوق سكانها، لكن أرمينيا ليست لديها رغبة في التخلي عن سيطرتها الفعلية، وليس لدى أذربيجان حافز للتخلي عن مطالبتها، خصوصاً أن القومية تلعب دوراً حاسماً في إبقاء القادة بالسلطة في كلا البلدين، حيث يعارض كلا الشعبين بشدة التسوية، وعلى كل فهذا ليس هو الصراع المجمد الوحيد، في المنطقة، إذ خلّف انهيار الاتحاد السوفييتي وراءه العديد من الأراضي المتنازع عليها.

تفاقم الأمور

شهد عام 2019 الكثير من الخطاب العنيف من كلا الجانبين، وبعد المناوشات الدامية الأخيرة، على طول الحدود، التي يلوم كل طرف فيها الطرف الآخر على بدايتها؛ بدأ السياسيون يميلون إلى القومية أكثر من المعتاد، خصوصاً وسط التوتر والفشل الاقتصادي الناجم عن جائحة فيروس «كورونا».

جيش فاسد

ويبدو من الصعب رؤية انتصار أذربيجاني للسيطرة على ناغورني قره باغ، وكلفت المناوشات الأولية أرواحاً من كلا الجانبين، لكن أيضاً إذا تم تصديق الرواية الأرمينية، فقد شهدت المعارك تدمير عتاد على الجانب الأذربيجاني أكثر بكثير من العتاد الأرميني، وتحتل أرمينيا المرتفعات، ما يجعل من الصعب للغاية التقدم الأذربيجاني إلى الأراضي الجبلية الصعبة، ولاتزال التقييمات المستقلة ترى الاستعداد العسكري لأذربيجان ضعيفاً، والجيش غير راضٍ وفاسد وغير فعال، ويعاني معدل فرار من الخدمة، يقترب من 20%، وجلبت الأرباح من النفط استثمارات ضخمة في المعدات الجديدة بين عامي 2008 و2014، لكن الانهيار في الأسعار ترك البلاد تكافح مالياً وسط الاضطرابات السياسية والقمع الوحشي، ويفتقر الجيش إلى التدريب لاستخدام الأسلحة التي اشتراها.

وقد يؤدي تقدم مفاجئ لأذربيجان إلى تدخل مباشر من قبل موسكو، على الأرجح لفرض وقف سريع لإطلاق النار، وعرضت روسيا وإيران التفاوض على إنهاء هذه الجولة الجديدة من الأعمال العدائية. وهناك، أيضاً، احتمال مقلق لانتشار الصراع، فقد وقفت تركيا، على سبيل المثال، بقوة مع باكو، وذلك بفضل العلاقات القوية بين الأذريين والأتراك، وعداء أنقرة طويل الأمد تجاه الأرمن، الذين يواصلون إثارة مسألة الإبادة الجماعية للأرمن، في تركيا عام 1915.

وظلت الجوانب الدينية للصراع الأصلي أقل قيمة، مقارنة بالحماسة القومية، ولم تصبح ناغورني قره باغ، أبداً قضية دينية بالطريقة التي كانت عليها الشيشان، لكن الاحتمال الأرجح قد يكون حرباً مؤلمة وصغيرة نسبياً، يتبعها سلام آخر، ووفقاً لقوائم الضحايا، حتى الآن، فإن معظم القتلى لم يكونوا قد ولدوا عندما بدأ الصراع أول مرة.


قد يؤدي تقدم مفاجئ لأذربيجان إلى تدخل مباشر من قبل موسكو، على الأرجح لفرض وقف سريع لإطلاق النار.

الخسائر العسكرية خلال النزاع:

أرمينيا: 6000.

أذربيجان: 11 ألفاً.

اللاجئون:

390 ألف أرميني نزحوا من أذربيجان.

360 ألف أذربيجاني نزحوا من أرمينيا وناغورني قره باغ.

التسلسل الزمني للصراع:

- تاريخياً، كان إقليم ناغورني قره باغ يسمى «أريستاخ»، ويدخل ضمن أرمينيا القديمة.

- في بداية القرن الـ19 بات الإقليم ضمن الإمبراطورية الروسية.

- بعد ثورة 1917، دخل الإقليم في نطاق أذربيجان، وخلال المؤتمر الأول للأرمن تم إعلانه منطقة إدارية وسياسية مستقلة.

- في عام 1920، وقعت الحرب الأرمنية - الأذربيجانية، وتدخل الجيش السوفييتي لوقفها وعاد الإقليم إلى أذربيجان.

- 20 فبراير 1988: دورة مجلس نواب الشعب في الإقليم، تتوجه بطلب إلى أرمينيا وأذربيجان وقيادة الاتحاد السوفييتي لنقل الإقليم إلى أرمينيا.

- 14 يونيو 1988: مجلس النواب في أرمينيا يوافق على طلب ضم الإقليم إلى الجمهورية.

- 17 يونيو 1988: مجلس نواب باكو يقرر إبقاء الإقليم في جمهورية أذربيجان.

- الأول من ديسمبر 1988: مجلس النواب في أرمينيا ومجلس نواب ناغورني قره باغ، يقرران في جلسة مشتركة توحيد الإقليم مع أرمينيا، وفي السنة نفسها وقعت اشتباكات بين الأرمن والأذربيجانيين وتخلل ذلك قتل وتدمير.

- 29 أغسطس 1991: أذربيجان تعلن استقلالها عن الاتحاد السوفييتي.

- 23 نوفمبر 1991: أذربيجان تلغي الحكم الذاتي لإقليم ناغورني قره باغ.

- 10 ديسمبر 1991: إجراء استفتاء حول استقلال الإقليم.

- 6 يناير 1992: إقرار بيان استقلال ناغورني قره باغ.

- يناير 1992: أذربيجان ترسل قواتها إلى الإقليم، وتستمر الأعمال القتالية، حتى عام 1994، وفقدت أذربيجان السيطرة على الإقليم، وسبع مناطق متاخمة له.

- الخامس من مايو 1994: بوساطة رابطة الدول المستقلة، وقّعت أرمينيا وأذربيجان وسلطة الإقليم على بروتوكول «بيشكيك» حول وقف إطلاق النار.

طباعة