استجابة المنظمة الأممية لفيروس «كورونا» كانت كارثية

تردّد «الصحة العالمية» كلّف العالم باهظاً وأجج صراعات بين الدول

صورة

في 30 يناير أعلنت لجنة الطوارئ التابعة لمنظمة الصحة العالمية، على مضض، أن الفيروس التاجي الجديد «كورونا»، أصبح حالة «طوارئ صحة عامة ذات بعد دولي»، ويمكن القراءة بوضوح بين سطور البيان، أن الإعلان كان متردداً، وقد أكدت فيه المنظمة أنه «ينبغي النظر إلى الإعلان» بروح الدعم والتقدير للصين وشعبها، والإجراءات التي اتخذتها على الخطوط الأمامية لهذا التفشي، مع الشفافية». وأوصت منظمة الصحة الدول الأخرى «بوضع تدابير قوية للكشف عن المرض في وقت مبكر، وعزل ومعالجة الحالات، وتعقب المخالطين، وتعزيز تدابير التباعد الاجتماعي».

ولكن مرة أخرى، أوصت المنظمة العالمية بعدم وضع «أي قيود على السفر أو التجارة»، وأن مثل هذه الإجراءات يمكن أن «تعزز الوصم أو التمييز»، لكن هذه المرة ذهب الأمر أبعد من ذلك، وأُخبرت الدول بأنه يجب في حال تدخلت في حركة التنقل الدولية»، أن «ترسل إلى منظمة الصحة العالمية الأساس المنطقي والتبرير المتعلق بالصحة العامة، في غضون 48 ساعة من تنفيذها للإجراءات»، وعندما منعت الولايات المتحدة، غير مواطنيها، القادمين من الصين الدخول، في 31 يناير، دان النقاد والمتحدث باسم المنظمة هذه القيود على أنها «ذات نتائج عكسية»، ومن المحتمل أن تتسبب في «اضطراب اجتماعي»، وعندما اتبعت أستراليا وسنغافورة الخطوة الأميركية، قال متحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، إن الولايات المتحدة «صنعت الذعر ونشرته من دون توقف».

إرشادات مُربكة

في الثالث من فبراير، كرر مدير عام منظمة الصحة العالمية الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس، نصيحة منظمة الصحة بعدم تقييد السفر من الصين، وقال إنه «لولا الصين لكان عدد الحالات خارج الصين أعلى بكثير»، ما يعني مرة أخرى، أن الدول الأخرى يجب أن تعتمد على بكين للسيطرة على الانتشار الخارجي لفيروس «كورونا»، بدلاً من فرض قيود خاصة بها، وفي اليوم التالي دعا تيدروس البلدان إلى إلغاء قيود السفر، التي قال إنها «يمكن أن تؤدي إلى زيادة الخوف والوصم، مع القليل من الفوائد الصحية العامة».

واتبعت العديد من البلدان إرشادات منظمة الصحة العالمية، بما في ذلك دول تفتقر إلى البنية التحتية الصحية المناسبة، وتعتمد على دعم المنظمات الدولية مثل منظمة الصحة العالمية.

وأعادت باكستان، وهي حليف للصين، التي أوقفت رحلاتها من مدن صينية مختلفة، في 31 يناير، رحلاتها في الثالث من فبراير، لتعلقها مرة أخرى في 21 مارس، وواصلت إثيوبيا رحلاتها من وإلى الصين، على الرغم من مناشدات يائسة من دول شرق إفريقيا الأخرى، لمنع دخول الفيروس إلى إفريقيا عبر مطار أديس أبابا، الذي يعد البوابة الرئيسة إلى الصين.

تناقض ذاتي

وبحلول 26 فبراير، ألقى تيدروس كلمة قال فيها: «لا نشهد انتقالاً مستداماً ومكثفاً لهذا الفيروس في المجتمع، ولا نشهد مرضاً شديداً أو حالات وفيات كثيرة»، وفي اليوم نفسه أبلغت منظمته عن 81 ألفاً و109 حالات إصابة مؤكدة بالفيروس التاجي في 38 دولة، بما في ذلك 2762 حالة وفاة مسجلة، وكان تقييم المخاطر «مرتفعاً» في العالم بأسره، ومع ذلك أكدت منظمة الصحة، مرة أخرى في 29 فبراير، أنها «تواصل تقديم المشورة بعدم تطبيق قيود السفر أو التجارة على البلدان التي تشهد تفشي «كوفيد-19».

وفي حالة غريبة من التناقض الذاتي، اعتبرت المنظمة العالمية أن «تقييد حركة الأشخاص والبضائع أثناء طوارئ الصحة العامة، غير فعال، في معظم الحالات»، في الوقت الذي أثنى فيه أحد كبار علماء الأوبئة بالمنظمة، بروس أيلوارد، على الصين، بسبب «نهجها الجريء في مواجهة الانتشار السريع لهذا المرض التنفسي الجديد»، وهو النهج الذي «غيّر مسار ما كان يمثل وباءً قاتلاً يتصاعد بسرعة، ولا يزال». ويبدو أن رسالة المنظمة الغريبة هي أن الصين كانت على حق في فرض الحجر على سكانها، لكن لا ينبغي على الدول الأخرى أن تغلق أبوابها أمام الصين.

قيود صارمة

بالطبع، لدى الصين قيود صارمة على السفر الدولي، ما يمنع دخول جميع الأجانب، تقريباً، بمن في ذلك أولئك الذين لديهم تصاريح إقامة، منذ 28 مارس. وربما في إشارة إلى توجيهات منظمة الصحة بأن هذه القيود يجب أن تكون «لمدة قصيرة» ووصفت تحركها بأنه «إجراء مؤقت» ستتم «معايرته في ضوء الوضع المتطور»، وإعادة النظر فيه بانتظام مع تطور الوضع. وحتى أواخر مايو لم يتطور الوضع، بشكل كافٍ للصين، لرفع حظر السفر الدولي. ولم ترد أي كلمة من تيدروس، أو منظمة الصحة، حول مدى ملاءمة التدابير الصينية بإغلاق مطاراتها في وجه العالم، الآن، إذ إن الصين نفسها خالية نسبياً من الفيروس، عكس ما كان عليه الوضع في بداية الوباء.

الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وأنصاره ليسوا وحدهم من يعتقدون أن «منظمة الصحة العالمية كانت مصرّة بشكل غريب على الإشادة بالصين»، كما كتب ترامب في رسالة، في 18 مايو، إلى تيدروس، وهدد فيها بقطع التمويل الأميركي بشكل دائم، والانسحاب من المنظمة، والآن تطالب أكثر من 110 دول بإجراء تحقيق في طريقة تعامل المنظمة الأممية مع أزمة الفيروس التاجي المستجد، وستخبرنا الأيام المقبلة عن مدى حياد واستقلالية هذا التحقيق.

إن القرار الرسمي الذي أصدرته «منظمة الصحة»، والذي يقضي بإجراء التحقيق، لا يشير إلى الصين، وهذا قد يكون السبب وراء موافقة الصين في نهاية الأمر على المشاركة والدعم. كما يقترح القرار أن التحقيق قد يستفيد من «الآليات الموجودة، حسب الاقتضاء»، وهذا يعني ألا نفاجأ إذا قامت المنظمة بتقييم نفسها، ولن نفاجأ إذا لم يُلقِ هذا التقييم باللوم، في نهاية المطاف، على منظمة الصحة العالمية أو الصين.


الجزائر تستنكر تصريحات مديرة المكتب الإقليمي للمنظمة

في مثال على تناقض المنظمة في بياناتها واختلاف الدول معها، استنكرت اللجنة العلمية لرصد ومتابعة جائحة فيروس كورونا في الجزائر، تصريحات مديرة المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في إفريقيا، بشأن حالات الإصابة بالفيروس في البلاد.

وبحسب ما بثه التلفزيون الحكومي الجزائري، فقد اعتبرت اللجنة العلمية أن مديرة المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية «قد تلاعبت ببيانات المنظمة في هذا الشأن، مدفوعة باعتبارات انتقائية مرفوضة».

وفندت اللجنة العلمية «كلياً استنتاجات المديرة الإقليمية، واعتبرت موقفها تجاوزاً لصلاحياتها، وقد يكون مدفوعاً باعتبارات انتقائية مرفوضة شكلاً ومضموناً».

وقالت منظمة الصحة العالمية في تقريرها حول الوضع في إفريقيا، إن «إفريقيا سجلت أكثر من 200 ألف حالة إصابة بفيروس (كورونا) مؤكدة حتى الآن، مع أكثر من 5600 وفاة».

وبيّنت المنظمة الأممية أن 10 من بين 54 دولة تسهم بنحو 80% من جميع حالات الإصابة، وأن أكثر من 70% من الوفيات تحدث في خمس دول فقط، هي: الجزائر ومصر ونيجيريا وجنوب إفريقيا والسودان.

الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وأنصاره ليسوا وحدهم من يعتقدون أن «منظمة الصحة العالمية كانت مصرّة بشكل غريب على الإشادة بالصين»، والآن تطالب أكثر من 110 دول بإجراء تحقيق في طريقة تعامل المنظمة مع أزمة الفيروس التاجي المستجد، والمستقبل كفيل بالحكم على مدى نزاهة التحقيق.

وسط تناقض غريب، اعتبرت «الصحة العالمية» أن «تقييد حركة الأشخاص والبضائع أثناء طوارئ الصحة العامة، غير فعال غالباً»، فيما أثنى العالم في المنظمة، بروس أيلوارد، على الصين «لجرأتها في مواجهة الانتشار السريع لهذا المرض التنفسي الجديد».

31

يناير هو التاريخ الذي منعت فيه الولايات المتحدة غير مواطنيها الدخول من الصين.

طباعة