«الجائحة» تهدد بتمزيق التعاون الدولي

الصحة العالمية «ميدان صراع بالوكالة» بين الصين وأميركا

صورة

عندما أرسل الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، رسالته الغاضبة إلى منظمة الصحة العالمية، الأسبوع الماضي، كان يتوقع أن يكون تأثيرها أشد وطئاً من ذلك. ففي الرسالة المؤلفة من أربع صفحات من الانتقادات للمدير العام للمنظمة، الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس، لطريقة معالجته لجائحة كورونا، اتهمه والمنظمة من خلفه بتكرار خطوات خاطئة ومكلفة. وكرر ترامب تهديده بالانسحاب من المنظمة، قائلاً إنه ربما يوقف إسهام بلاده في المنظمة والبالغة 400 مليون دولار سنوياً، وتحويلها لمنظمات صحية أخرى.

وجاءت رسالة ترامب، خلال اجتماعات الجمعية العالمية للصحة في المنظمة، التي استمرت يومين، وهي الهيئة التي تتخذ القرارات في منظمة الصحة العالمية. وبدا هذا الحدث أقل أهمية هذا العام، إذ إنه عقد في العالم الافتراضي، كما أرسل قادة العالم رسائلهم عبر رابط فيديو. ولم تبدُ على الدكتور تيدروس أي علامات الانزعاج من ثورة ترامب على المنظمة، وإنما اكتفى بالإشارة إلى ذلك، عندما قال الجائحة «تهدد بتمزيق نسيج التعاون الدولي».

وأحد الأسباب التي جعلت الدكتور تيدروس في حالة اتزان ربما كان تدخل الرئيس الصيني، تشي جين بينغ، أحد أول قادة العالم الذين خاطبوا الاجتماع، والذي وعد بتقديم مليارَيْ دولار خلال عامين، لمساعدة الدول النامية لمحاربة فيروس كورونا. وقال أحد مسؤولي منظمة الصحة العالمية إن الدكتور تيدروس ربما يسترشد بما ستتوصل إليه الدول الأعضاء، البالغ عددها 194 دولة، فإذا كانت هذه الدول تشعر بالقلق من انسحاب الولايات المتحدة، فإنه سيشاطرها هذا الشعور.

لكن ثورة غضب الرئيس ترامب أسهمت في جعل الدول تحتشد مع بعضها بعضاً، وراء قرار وحيد يدعو إلى إجراء تحقيق مستقل في هذه الجائحة، وإلى الحصول بصورة متساوية لدول العالم على اللقاحات والعلاجات والتشخيص. لكن الولايات المتحدة انفردت بنفسها من الجزء الأخير من القرار، عندما قالت إن التنازل عن حقوق الملكية من شأنه أن يقتل الإبداع.

وتعهد قادة العالم الآخرون، ومن بينهم الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، بتقديم الدعم لمنظمة الصحة العالمية. وقال ماكرون للاجتماع: «لا يمكن الاختلاف بشأن صحة البشر، ولا يمكن الاستيلاء عليها، ولا يمكن شراؤها وبيعها»

أسباب الغضب

ويعتقد العديد من المعلقين أن غضب الرئيس ترامب ليس ناجماً عن الرغبة بتقويض منظمة الصحة العالمية. وقالت الدكتورة كلير وينهام، البرفيسور في سياسة الصحة العالمية بكلية لندن الاقتصادية، إن هذا الغضب مرده سببان «أولاً أنه يريد صرف النظر عن فشله في إدارة جائحة كورونا على المستوى الداخلي. ومحاولة تحميل الصين ومنظمة الصحة العالمية اللوم عن تفشي جائحة كورونا، واستخدام المنظمة كبش فداء. والثاني أن منظمة الصحة العالمية أصبحت (ميدان صراع قوى كبيراً بالوكالة) يجري الآن بين الولايات المتحدة والصين. ويمكن أن يحدث في أي منصة دولية، وشاءت الأقدار أن يكون الآن في منظمة الصحة العالمية».

وعلى الرغم من عدم وضوح أين وعدت الصين بإنفاق المليارين، إلا أن الدكتورة وينهام تعتقد أن دولاً أخرى يمكن أن تتدخل لتسد الفراغ الناجم عن انسحاب الولايات المتحدة على الصعيد المالي للمنظمة، أو على صعيد الرعاية الصحية عالمياً. وقالت: «ما القيادة التي يمكن أن تظهرها الولايات المتحدة للعالم، بعد تعاملها الفاشل مع مرض كورونا؟».

وبصورة تقليدية، كانت الولايات المتحدة أكبر دولة مانحة لمنظمة الصحة العالمية، لكنها مع ذلك تقدم لها 15% من ميزانيتها، ويعتقد العديد من المعلقين أن منظمة الصحة العالمية لن تجد صعوبة في سد النقص الناجم عن انسحاب واشنطن. وآخر مرة سحبت الولايات المتحدة مساهمتها المالية لمنظمة الصحة العالمية كانت في نهاية ثمانينات القرن الماضي، وكان تأثير ذلك في حينه أكبر من الآن، وفق ما قالته أستاذ القانون بجامعة وارويك البريطانية، الدكتورة شريفة سكالالا. وأضافت: «منظمة الصحة العالمية بوضع أفضل بكثير الآن مما كانت عليه في ذلك الوقت، إذ يوجد الآن ممولون غير تقليديين، مثل مؤسسة غيتس (وهي ثاني أكبر ممول للمنظمة)، ومؤسسات أخرى يمكن أن تسهم وتمول أشياء مثل اللقاحات. ومنظمة الصحة العالمية لم تعد ضعيفة كما كانت في السابق». وقالت البروفيسور شريفة إن دولاً أخرى، مثل السويد التي دفعت مساهمتها للمنظمة للسنتين القادمتين مقدماً، سدت مقدماً النقص الناجم عن انسحاب الولايات المتحدة.

انخفاض محتمل للإسهامات

وتعتقد الدكتورة وينهام أن ما يمكن أن يؤثر في تمويل منظمة الصحة العالمية بصورة أكبر هو انخفاض إجمالي الناتج المحلي للعديد من الدول، نتيجة الكساد الناجم عن فيروس كورونا، لأن ذلك سيؤدي إلى انخفاض الإسهام المقدر نسبة للناتج المحلي لهذه الدول. وتقول الدكتورة يو غاي، الباحثة في شؤون الصين بمركز الأبحاث تشاتهام هاوس البريطاني، إن انسحاب الولايات المتحدة من المنظمة سيؤدي إلى تغير في اهتماماتها. وأضافت الدكتورة يو غاي: «الصين ستدفع منظمة الصحة العالمية نحو الاهتمام بقضايا (العالم الجنوبي)، وتحاول تغيير قوانينها ومعاييرها لصالح الدول النامية».

وثمة سبب آخر بالنسبة لمنظمة الصحة العالمية يجعلها غير مهتمة بشأن تغير القوى العالمي، هو تغير مكانة الصين بصورة متزايدة لتصبح دولة منتجة للعلم والتقنية الحديثة، كما أنها تنتج العديد من الدراسات الأكاديمية المتطورة عن فيروس كورونا بمعدلات كبيرة، وهي تسابق الآخرين في أبحاثها التي تصنف عالمية في جميع المجالات.

إسهامات الصين العلمية

وشارك علماء الصين بأبحاثهم في الدوريات الغربية ذات التصنيف الرفيع، مثل «نيو إنغلند جورنال أوف ميديسن»، وكشفت دراسة نشرت في مجلة «يو إس ناشونال سينس فاونديشن» في عام 2018، أنه في الوقت الذي لاتزال فيه الولايات المتحدة هي أكثر دول العالم إنفاقاً على الأبحاث والتنمية، حيث تنفق نحو 500 مليار دولار، جاءت الصين في المرتبة الثانية حيث تنفق نحو 400 مليار دولار على الأبحاث. وتقول الدكتورة يو غاي: «الصين ستلحق بركب الولايات المتحدة سريعاً، بالنظر إلى الموارد المالية الكبيرة المخصصة للابتكارات العلمية، وعملية اختيار المواهب الصارمة جداً».

مخاوف الهيمنة

وثمة مخاوف كبيرة من مغبة الهيمنة المتزايدة للصين على العلم، مع التزامها بالشفافية وأخلاقيات البحث التي أصبحت تحت الرقابة الوثيقة. وفي بداية جائحة كورونا، حظي العلماء الصينيون بالثناء على نطاق واسع على سرعتهم في نشر المنظومة الجينية للفيروس الجديد، لكنها تعرضت بعد ذلك للانتقاد لرفضها نشر العينات.

وتقول الدكتورة وينهام: حتى لو كان انسحاب الولايات المتحدة سيشكل إعاقة لعمل منظمة الصحة العالمية، فإنها لن تكون كبيرة، ففي الوقت الذي تعمل فيه المنظمة للحفاظ على حياة الناس، يأتي من يصرف انتباهها إلى أشياء أخرى.

إن غولاند مراسلة أمن الصحة العالمية في صحيفة «ديلي تلغراف»


كشفت دراسة، نشرت عام 2018، أنه في الوقت الذي لاتزال فيه الولايات المتحدة هي أكثر دول العالم إنفاقاً على الأبحاث والتنمية، إذ تنفق نحو 500 مليار دولار، فإن الصين جاءت في المرتبة الثانية، حيث تنفق 400 مليار دولار.

ما يمكن أن يؤثر في تمويل منظمة الصحة العالمية بصورة أكبر، هو انخفاض إجمالي الناتج المحلي للعديد من الدول، نتيجة الكساد الناجم عن فيروس كورونا، لأن ذلك سيؤدي إلى انخفاض المساهمة المقدرة نسبة للناتج المحلي لهذه الدول.

طباعة