اتفاق كوريا الجنوبية مع واشنطن يحذّر حلفاء ترامب من كلفة التنازلات
«الاسترضاء».. سياسة لا تحمي الشركاء التجاريين لأميركا من الضغوط
كوريا الجنوبية وقّعت اتفاقية استثمارية بـ350 مليار دولار مقابل خفض الرسوم الجمركية. من المصدر
تبدو حالة القلق التي تسيطر على سيؤول واضحة للغاية، ففي نوفمبر الماضي وقّعت كوريا الجنوبية، تحت ضغوط أميركية، اتفاقية استثمارية بقيمة 350 مليار دولار مقابل خفض الرسوم الجمركية بمقدار 10 نقاط مئوية، وروّجت للاتفاق باعتباره تحالفاً استراتيجيا، لكن بعد أقل من عام بدأت هذه الصورة تتداعى، ففي الشهر الماضي أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عن شريحة من الاتفاقية بقيمة 200 مليار دولار، من دون حضور أي مسؤول كوري جنوبي.
وعلى وقع المفاجأة، سارعت سيؤول إلى التذكير ببند «الجدوى التجارية» الوارد في الاتفاقية، لكن ترامب رد بلهجة حادة قائلاً للصحافيين: «إذا كانوا لا يرغبون في المضي قُدماً، فلا بأس بالنسبة لي، سأفرض عليهم رسوماً أعلى، أخبروهم بأنني سأضاعف هذه الرسوم إذا لم يوقّعوا قريباً».
وتثير هذه الأرقام قلقاً بالغاً في كوريا الجنوبية، إذ يعادل مبلغ 350 مليار دولار نحو 18% من ناتجها المحلي الإجمالي السنوي، وحتى إذا وُجّه جزء كبير من المبلغ عبر قروض وضمانات واستثمارات تنفذها الشركات، فإن ذلك ينطوي على مخاطر، منها زيادة الضغوط على قيمة العملة الكورية الجنوبية الـ«وون»، ومزاحمة الاستثمارات المحلية، فضلاً عن التبعات السياسية المحتملة إذا جاءت نتائج المشاريع دون التوقعات.
تقدم هذه الواقعة ثلاثة دروس لكل اقتصاد يعتمد على التجارة، ويفكر في استرضاء واشنطن، أولها: أن الاسترضاء ليس استراتيجية، بل قد يفتح الباب أمام مزيد من الضغوط والاستغلال، فعلى الرغم من أن تعهد سيؤول يتضمن بنداً يشترط أن تكون الاستثمارات «معقولة تجارياً»، فإن مشروع الغاز الطبيعي المسال في آلاسكا، الذي ورد في إعلان ترامب، سبق أن تخلى عنه مستثمرون من القطاع الخاص في عام 2016، ليُطرح الآن كما لو كان مشروعاً محسوم التمويل من الجانب الكوري الجنوبي.
ولا يقتصر هذا النمط على كوريا الجنوبية، إذ انتزع ترامب تعهدات استثمارية من دول حول العالم تُقدّر بنحو خمسة تريليونات دولار، وفي وقت سابق من الشهر الجاري، هدد بفرض رسوم جمركية تصل إلى 300% على الدول التي تتراجع عن تعهداتها الاستثمارية تجاه الولايات المتحدة.
والأهم أن كثيراً من التهديدات الأميركية قد لا يُنفذ بالكامل، فعلى سبيل المثال، بعد تهديدها البرازيل بفرض رسوم جمركية بموجب «المادة 301»، أعلنت واشنطن، في يوليو، فرض رسوم بنسبة 25%، لكن تبيّن أن نحو ثلثي السلع القادمة من البرازيل معفاة منها.
كذلك، فُرضت الرسوم الجمركية بنسبة 100% على المنتجات الدوائية، التي أُعلن عنها هذا العام، على مراحل، مع استثناءات عدة شملت 20 كياناً قضائياً، من بينها الهند، ويعود ذلك إلى أن المعدلات المرتفعة للغاية تهدد بزيادة أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة، وتربك سلاسل التوريد، وتثير ردود فعل سياسية عكسية.
وقد تكون الاستجابة القائمة على «الذعر» باهظة الكلفة، فلو اختار الشركاء التجاريون للولايات المتحدة الدخول في مفاوضات جادة بدلاً من إبرام صفقات متسرعة، ولو انتظروا حتى صدور قرار المحكمة العليا في فبراير بإلغاء «الرسوم الجمركية المتبادلة» التي فرضها ترامب، فهل كانوا سيقدمون مثل هذه التنازلات الكبيرة؟
أما الدرس الثاني فهو أن الاعتماد على طرف آخر يمثل في حد ذاته نقطة ضعف، وينبع مأزق كوريا الجنوبية من ارتباطها بالولايات المتحدة على جبهتين: المظلة الأمنية الأميركية، والوصول إلى السوق الأميركية، ما يمنح واشنطن ورقة ضغط قوية.
وقد رضخ الاتحاد الأوروبي، إلى حد كبير، بسبب مخاوفه من تخلي الولايات المتحدة عن التزاماتها الدفاعية، والتزمت بروكسل باستثمارات ضخمة واتفاقات في قطاع الطاقة، رغم قرار المحكمة العليا، متجاهلة مخرجاً قانونياً كان متاحاً لها، سعياً إلى الحفاظ على المظلة الأمنية لحلف شمال الأطلسي (الناتو) وضمان استمرار مبيعات السيارات، كما خضعت اليابان للضغوط لتجنب فرض رسوم جمركية باهظة على سياراتها، نظراً إلى أن الولايات المتحدة تُعد أكبر سوق لصادراتها.
وفي الواقع، فإن كل دولار تُسارع الدول إلى تقديمه لواشنطن قد يزيد من اعتمادها عليها ويعزز نفوذها، وإذا نجح ترامب في الحصول على هذا التدفق الكبير من رؤوس الأموال تحت الضغط، فلن يؤدي ذلك إلا إلى تعميق تبعية هذه الدول، وجعلها أكثر عرضة للمخاطر.
ويكمن المخرج في الحد من الاعتماد على الولايات المتحدة وتنويع الأسواق، ولا يعني هذا النهج الدخول في مواجهة معها، بل تقليص الروابط الاقتصادية والأمنية التي تمنح واشنطن أوراق ضغط لفرض شروطها. وعلى الرغم من أن هذا التحول قد يكون مؤلماً، فإنه قد يشكل السبيل إلى علاقة اقتصادية أكثر توازناً واستدامة.
وتبرز كندا مثالاً في هذا السياق، فعلى الرغم من أن أكثر من ثلثي صادراتها تتجه إلى الولايات المتحدة، فإنها ردت بفرض رسوم جمركية مقابلة، ووسعت علاقاتها التجارية لتشمل أسواق منطقة المحيطين الهندي والهادئ، كما انضمت إلى آلية الاتحاد الأوروبي للمشتريات الدفاعية، وفي يناير الماضي زار رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، بكين، في أول زيارة من نوعها منذ عام 2017، في خطوة تهدف إلى تقليص النفوذ الاقتصادي الأميركي.
أما الدرس الثالث، فهو أن العمل الجماعي ضرورة لمواجهة سياسة الضغط التي تمارسها واشنطن، وتحقق الرسوم الجمركية التي يفرضها ترامب تأثيرها لأن الدول المستهدفة تتفاوض بصورة منفردة، على أمل أن يتجنب كل منها التداعيات الأشد، وقد صُمم نهج ترامب، القائم على الصفقات الثنائية والتهديد بإعادة فرض الرسوم الجمركية والضغوط المحسوبة، لإبقاء الدول منقسمة، وينبغي للدول أن تتكاتف لحماية مبدأ «الدولة الأولى بالرعاية» في منظمة التجارة العالمية، الذي تعمل إدارة ترامب على تقويضه.
وتبرز الحاجة إلى العمل الجماعي في مجالات أخرى، منها تنسيق الطعون القانونية أمام منظمة التجارة العالمية، ومواءمة التدابير الجمركية المضادة، والرد على العقوبات الثانوية، وتفعيل خطوط تبادل العملات في حالات الطوارئ، والالتزام بعدم اتخاذ مواقف عدائية تجاه بعضها بعضاً، وتفقد التهديدات بفرض رسوم جمركية بنسبة 300% فاعليتها عندما تتكاتف الاقتصادات الكبرى وتكشف حدود هذه التهديدات، ولاتزال الولايات المتحدة قوة اقتصادية ذات شأن، بفضل أسواقها ورؤوس أموالها وضماناتها الأمنية، لكن قدرتها على الضغط تتراجع عندما تواجه تكتلاً منسقاً، وربما يقضي القادة في كوريا الجنوبية لياليهم الآن في حساب كلفة توقيع اتفاقات جديدة، وهو أمر ينبغي للشركاء التجاريين الآخرين للولايات المتحدة أن يأخذوه في الحسبان أيضاً.
وبدلاً من مواجهة الضغوط الأميركية بصورة منفردة أو السعي إلى صفقات ثنائية لا تحقق توازناً حقيقياً، فإن العمل الجماعي المنسق هو السبيل للحفاظ على المواقف التفاوضية وإجبار واشنطن، التي تجاوزت حدودها، على التعامل مع تكتل يوازيها قوة وتأثيراً. *جو شياومينغ *باحث في مركز الصين والعولمة في بكين. عن «ساوث تشاينا مورنينغ بوست»
• تنويع الأسواق والعمل الجماعي ضروريان لمواجهة ضغوط واشنطن التجارية.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news