لإتقان حرب هجينة بالوكالة

    المرتزقة الروس يستخدمون سورية «ساحة تجارب»

    صورة

    كان عام 2014 عاماً صعباً بالنسبة للشرق الأوسط، لكنه كان عاماً مثيراً للاهتمام بالنسبة لروسيا. بينما كان العالم الإسلامي يشاهد صعود تنظيم «داعش»، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يرفع الحظر الذي فرضته روسيا، في السابق، على المقاولين العسكريين الخاصين، بعد أن اعترف - في مقابلة أجراها عام 2012 - بأنهم «يجب أن يؤخذوا في الحسبان». شهد ذلك العام ولادة مجموعة «واغنر» الروسية، برئاسة جندي أوكراني سابق، وقف مع الانفصاليين الأوكرانيين المدعومين من روسيا، قبل إنشاء وحدة المرتزقة الخاصة به. وشهدت «واغنر» انتقالاً سريعاً من القتال في أوكرانيا إلى الحرب الأهلية في سورية. ويعتقد أن 2500 من قوات «واغنر» يقاتلون من أجل روسيا والرئيس السوري بشار الأسد.

    أحدث تطور

    ومجموعة «واغنر» ليست سوى أحدث تطور روسي في الحرب الخاصة. رغم أنها ليست الدولة الأولى التي تشارك في مغامرات أجنبية مع المرتزقة، فإن روسيا تضع اتجاهاً جديداً وخطيراً؛ باستخدام المرتزقة فقط في القتال بدلاً من الدعم اللوجستي لقواتها المسلحة. هذا التدخل العدواني يضيف بعداً جديداً لقوة بوتين في الخارج. ويوضح المحلل، جوشوا يافا، أن «تدخل روسيا في سورية قد خدم العديد من مصالح بوتين»، متابعاً: «لقد أنقذ نظام الأسد من الهزيمة، وأوقف شبح تغيير النظام، وأمن لروسيا دوراً لا يمكن إنكاره، أحدث بالغ الأثر في الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط».

    ويذهب محللون آخرون أبعد من ذلك. ويجادل الدكتور كيريل أفراموف، والصحافي رسلان تيراد، بأن سورية تُستخدم «ساحة تجارب» لروسيا، لإتقان «حرب هجينة بالوكالة، وتمويه الخطوط الفاصلة بين السياسة الخارجية الرسمية والمجموعات الخاصة؛ لإنشاء منطقة رمادية غامضة للقتال، تقوم الدولة بإدارتها عبر مجموعات خاصة».

    علناً، كانت مهمة «واغنر» تقتصر على الدعم الأمني فقط. ومع ذلك، كما أصبح واضحاً في عام 2018، وعلى مدار العامين الماضيين، شاركت المجموعة بنشاط كبير في التدريب وجمع المعلومات الاستخبارية والعمليات المتقدمة نيابة عن الجيش السوري. على الورق، لا توجد روابط رسمية بين القوات الروسية في سورية و«واغنر»؛ إلا أن أفراد المجموعة يشكلون دعماً مهما للقوات الروسية على الأرض.

    تغيير سياسة التدخل

    إضافة إلى تحقيق أهداف روسيا في سورية، فإن نشر المجموعات العسكرية الخاصة مثل «واغنر» يغير سياسة التدخل الأجنبي. ومع تركز المجموعة في مناطق الشرق الأوسط الحساسة، يمكن لبوتين خفض التكاليف السياسية لتحقيق أهدافه الجيواستراتيجية. في الواقع، سمح استمرار استخدام المرتزقة بالإعلان رسمياً عن انسحاب القوات الروسية من مناطق حيوية استراتيجية في سورية، مع العلم جيداً بأن المرتزقة يمكن أن يحلوا محل جنود الدولة. في الوقت نفسه، لايزال من الممكن تعزيز مشاركتهم في الشرق الأوسط كشكل من أشكال الدعاية. لنأخذ ما يسمى «قناصو عناصر داعش» في روسيا.

    ويرتبط هؤلاء القناصة ارتباطاً وثيقاً بمجموعة «واغنر»، وقد حصلوا على تغطية إعلامية روسية وحتى عربية منذ زيادة القوات السورية في 2017 في مواجهة «داعش». وفي تطور مثير للسخرية، تعرض مقاطع الفيديو الدعائية صوراً للمرتزقة تتقدم ضد عناصر «داعش»، في وقت يرسل فيه القناصة تهديدات لمقاتلي التنظيم، من خلال الوعد بإعدام 100 منهم لكل رهينة روسي وقعت في أيدي التنظيم الإرهابي، في عام 2017. والدعاية المقدمة من قبل «قناصي عناصر داعش» إلى جانب مزاعم «داعش» العلنية الخاصة بالقبض على مرتزقة روس، توضح كيف يمكن لخصخصة الحرب أن تطمس الخطوط وتغير الموازين بسرعة كبيرة.

    وفي ذلك يقول المحللان أفراموف وتيراد، إن التفاعل المهم بين المرتزقة والقوات المسلحة الروسية في الخارج يُزيح «الحدود بين القطاعين العام والخاص باسم المطالبة بالنجاحات العملية للقوات المسلحة الرسمية، مع تقليل عدد القتلى عبر الشركات العسكرية الخاصة».

    واتجاه روسيا للاستعانة بمصادر عسكرية خارجية لا ينمو إلا في سورية والشرق الأوسط. إضافة إلى التعاقد مع الأسد مقابل 25% من الأرباح من الحقول النفطية، وتوسعت «واغنر»، أخيراً، إلى إفريقيا.

    وبحلول بداية عام 2018، استعان الرئيس السوداني (المخلوع) عمر البشير بمجموعة «واغنر» لتعزيز أمن نظامه. وكان من المتوقع أن يتعامل عناصر المجموعة مع زعيم مطلوب للمحكمة الدولية بسبب ضلوعه في جرائم حرب، وذلك لضمان الصفقات التجارية الروسية المتعلقة بالذهب والماس واليورانيوم. ولا ينبغي التقليل من أهمية الموارد الطبيعية بالنسبة لروسيا جزءاً من خصخصة بوتين للحرب. وبعد مرور عام على وصولها إلى السودان، أرسلت مجموعة «واغنر» مرتزقة، أيضاً، إلى جمهورية إفريقيا الوسطى.

    إزالة الخطوط الفاصلة

    من الواضح أن روسيا تزيل الخطوط الفاصلة بين القوات المسلحة الحكومية والجهات الفاعلة التجارية، بعد أن وقعت صفقات أسلحة مع جمهورية إفريقيا الوسطى، قبل عام من وصول مجموعة «واغنر». بينما تجادل المصادر الروسية بأن القوات في جمهورية إفريقيا الوسطى مجرد مدربين يساعدون في تدريب القوات المحلية، ولاحظ المراقبون وجود عناصر المجموعة في مناطق غير مستقرة، والتي تزخر بالموارد الطبيعية.

    صناعة الحرب الخاصة

    كانت نهاية الحرب الباردة بمثابة حافز لظهور «صناعة الحرب الخاصة». وتشتهر الولايات المتحدة بهذا الاتجاه في العراق وأفغانستان، ومع ذلك فإن خصم أميركا السابق هو الذي يوسع نطاق هذه المعركة إلى أبعد من ذلك، إذ يُعد الشرق الأوسط وإفريقيا رقعة شطرنج جديدة. وبعد «الربيع العربي»، يبدو أن دول إفريقيا هي منجم الذهب الجديد للعمليات العسكرية الخاصة. ومع ذلك، في نهاية المطاف، يجب ألا ننسى أن الشركات العسكرية الخاصة غالباً تمثل مصالح الدولة.

    وأصبحت «واغنر» سراً مكشوفاً لبوتين، كما يتضح من القتل المزعوم للصحافيين الروس الذين ينقلون أخباراً عن المجموعة. وتم استهداف حتى الصحافيين الأميركيين، مؤكدين رغبة بوتين في إخفاء الروابط الرسمية بين موسكو و«واغنر» للحفاظ على إنكار معقول، وخفض التكاليف السياسية للقتال مع توسيع طموحاته في الشرق الأوسط. وبدأت حرب باردة جديدة، متجذرة في حرب التخريب وأساليب حرب العصابات والفساد والتحالفات الاستراتيجية في مناطق الصراع. والولايات المتحدة وحلفاؤها يراقبون عن كثب.

    نيكولاي ديو جوندرسن : محلل وكاتب سياسي


    نهاية الحرب

    الباردة كانت بمثابة

    حافز لظهور «صناعة

    الحرب الخاصة».

    وتشتهر الولايات

    المتحدة بهذا الاتجاه

    في العراق

    وأفغانستان،

    ومع ذلك فإن خصم

    أميركا السابق هو

    الذي يوسع نطاق

    هذه المعركة إلى

    أبعد من ذلك، إذ يُعدّ

    الشرق الأوسط

    وإفريقيا رقعة

    شطرنج جديدة.

    2500

    من قوات «واغنر»

    يقاتلون إلى جانب بشار

    الأسد، من أجل روسيا.

    طباعة