تحاول السير ضد التيار

طهران تسعى دون جدوى إلــى صفقة مع واشنطن

صورة

رغم كل التهديدات التي وجهتها إيران بعد إعلان الولايات المتحدة الأميركية في 22 أبريل 2019، عن عدم تجديد مهلة الأشهر الستة التي منحتها لثماني دول مستوردة للنفط الإيراني والتي انتهت في الثاني من مايو الجاري، وقبلها تصنيف الحرس الثوري منظمة إرهابية أجنبية؛ فإن ذلك لا ينفي في الوقت ذاته أن طهران بالفعل باتت تدرك التداعيات القوية التي قد يفرضها استمرار الإجراءات العقابية التي تتخذها الولايات المتحدة الأميركية.

صحيح أن «تصفير» الصادرات النفطية الإيرانية لا يبدو مهمة سهلة، حسب اتجاهات عدة، إلا أن الصحيح أيضاً أن هذه الضغوط الأميركية بدأت تنتج مفاعيل قوية ومباشرة على الأرض، لدرجة ربما تدفع إيران إلى البحث عن خيارات أخرى للتعامل مع واشنطن. ومع أن إيران بدأت في التلميح إلى إمكانية الانسحاب من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، بالتوازي مع الإعلان عن زيارة سيقوم بها ظريف إلى كوريا الشمالية، فإن ذلك قد يكون بهدف تعزيز احتمالات تحويل أحد تلك الخيارات الأخرى إلى إجراءات فعلية على الأرض. لكن مجمل ردود الفعل الإيرانية تبقى في إطار «محاولات» لتغيير نمط التفاعلات الحالية، دون أن تكون هناك مؤشرات جدية توحي بإمكانية انخراط واشنطن إيجابياً معها.

تقسيم أدوار

في مقابل ردود الفعل المتشددة التي أبدتها بعض المؤسسات، على غرار الحرس الثوري، تجاه الإجراءات العقابية الأميركية الأخيرة، بدا أن جهات أخرى داخل إيران تحاول توجيه رسائل مضادة.

فقد قال قائد القوات البحرية في «الباسدران» علي رضا تنكسيري، في 22 أبريل الماضي، إنه «إذا تم منع إيران من تصدير نفطها عبر مضيق هرمز فسوف تقوم بإغلاقه». لكن وزير الخارجية محمد جواد ظريف لم يكتف بنفي هذه التهديدات وتقليص أهميتها، من خلال التأكيد على أن «إبقاء المضيق مفتوحاً مصلحة لإيران وأمنها القومي»، وإنما حاول فتح قنوات تواصل مع الإدارة الأميركية بالاستناد إلى ملف سبق أن استخدمته إيران لتقليص حدة التوتر في العلاقات مع إدارات أميركية سابقة.

وبدا لافتاً أن ظريف حرص على اختيار المكان والتوقيت اللذين يمكن أن يطرح فيهما مبادرة جديدة لتحقيق هذا الهدف، إذ أعلن خلال مشاركته في اجتماع الجمعية الآسيوية في نيويورك في 25 أبريل الماضي، عن إمكانية إبرام صفقة لتبادل السجناء بين طهران وواشنطن، مشيراً إلى أن لديه تفويضاً من أجل الوصول إلى هذه الصفقة.

دلالات عدة

وهنا، يمكن القول إن ثمة دلالات عدة تطرحها ردود الفعل الإيرانية المتناقضة إزاء الإجراءات العقابية الأميركية، يتمثل أبرزها في:

1- صعوبة الاستيعاب

بدأت إيران تدرك أن قدرتها على تحمل الضغوط التي تفرضها تلك الإجراءات تتراجع تدريجياً، خصوصاً أنها تتوازى مع استمرار تصاعد حدة الاحتقان في الداخل على خلفية الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها الإيرانيون.

ورغم أنها أكدت أكثر من مرة، كان آخرها على لسان المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي، أنها ستواصل تصدير النفط، في إشارة إلى أن لديها من الآليات ما يمكن أن يساعدها في هذا الصدد؛ فإن إصرار الإدارة الأميركية على مواصلة ضغوطها، بدليل عدم تجديدها المهلة الحالية التي انتهت في الثاني من مايو الجاري، وقبلها تصنيف الحرس الثوري منظمة إرهابية، يوحي بأنها قد تفرض مزيداً من العقوبات في الفترة المقبلة، وقد تتمكن تدريجياً من سد معظم الثغرات التي تحاول إيران استغلالها للالتفاف على تلك العقوبات وتقليص تداعياتها.

2- توسيع الخيارات

يبدو أن ثمة دوائر عدة في طهران ربما ترى أن تعمد تبني مواقف متناقضة في التعامل مع الإدارة الأميركية الحالية يمكن أن يسهم في توسيع حرية الحركة وهامش المناورة المتاح أمام طهران. وربما يفرض، في رؤيتها، تأثيراً على الحسابات الأميركية، بدرجة يمكن معها استيعاب تلك الضغوط، إلى حين الدخول في السنة الأخيرة من الفترة الرئاسية الحالية للرئيس دونالد ترامب، والتي ستدفعه إلى الاهتمام بتجديد فترته الرئاسية. وقد تسفر الانتخابات عن رئيس جديد للولايات المتحدة الأميركية تطمح إيران إلى أن يقوم بتغيير السياسة الحالية التي تتبناها في التعامل معها.

3- صفقة محتملة

كان لافتاً أن إيران أصرت على أن أي صفقة محتملة لتبادل السجناء ستقتصر على طرفين فقط هما إيران والولايات المتحدة الأميركية. وهنا، فإنها تسعى إلى تحقيق هدفين: أولهما أن تكون المفاوضات ثنائية فقط بين طهران وواشنطن، وهو المسار الذي أثبت، وفقاً لرؤية طهران، نجاحه في فترات سابقة، عندما كانت المفاوضات الثنائية السرية التي أجرتها طهران وواشنطن في سلطنة عمان مقدمة للوصول إلى الاتفاق النووي، حيث تحولت في ما بعد إلى مفاوضات علنية شاركت فيها الدول الأربع الأخرى دائمة العضوية في مجلس الأمن إلى جانب ألمانيا.

وبمعنى آخر، فإن إيران تحاول في الفترة الحالية استحضار التجارب السابقة التي استطاعت من خلالها الوصول إلى محاور توافق مع الولايات المتحدة الأميركية، بعد أن بدأت تتعرض لعقوبات وضغوط غير مسبوقة من جانب الأخيرة، نتيجة إصرارها على المضى قدماً في سياستها المتشددة إزاء الخلافات العالقة بين الطرفين.

ولذلك، كان لافتاً أن إيران أبدت بالتوازي مع صفقة تبادل السجناء قبولاً للتعاون مع واشنطن في الملف الأفغاني تحديداً، خصوصاً في ظل الاهتمام الخاص الذي تبديه الأخيرة لهذا الملف، حيث تجري مفاوضات مع حركة «طالبان»، التي أسست معها طهران قنوات تواصل من أجل إشراكها في مفاوضات جديدة خلال المرحلة المقبلة.

فضلاً عن ذلك، فإن زيارة ظريف إلى نيويورك، وحرصه على إجراء مقابلات تلفزيونية مع وسائل إعلام أميركية بارزة، مثل قناة «فوكس نيوز»، يوحيان بأنه حاول اختبار نوايا واشنطن إزاء مبادرة طهران الجديدة.

وثانيها، استبعاد الأطراف الأخرى من هذه الصفقة، خصوصاً بريطانيا، فإلى جانب رغبة طهران في إجراء مفاوضات ثنائية مع واشنطن، فإنها تحاول، في الغالب، إما الوصول إلى صفقة أخرى مع لندن، أو إرجاء هذا الملف حتى إشعار آخر، خصوصاً في ظل الخلافات المتعددة بين الطرفين.

إذ ترفض لندن إدراج الموظفة البريطانية في مؤسسة «تومسون رويترز» نازانين زاغاري راتكليف في إطار صفقة تبادل سجناء تساوي بينها وبين الإيرانية نيجار جودسكاني المحبوسة في أستراليا، حيث تسعى السلطات الأميركية إلى استعادتها بعد أن اتهمها القضاء الأميركي بمحاولة الحصول على تقنية اتصالات رقمية أميركية ونقلها لشركة إيرانية.

إشارات مضادة

مع ذلك، ورغم هذه المساعي الإيرانية، فإن الولايات المتحدة الأميركية لم تُبد أية إشارات قد توحي بأنها تقبل المبادرة الإيرانية، إذ اشترطت، وفقاً لتقارير إعلامية، أن تقوم إيران بالإفراج أولاً عن كل السجناء الأميركيين لديها، فضلاً عن أنها قد ترى أن هذه الجهود التي تبذلها إيران تعبر عن مدى ومستوى الضغوط التي تفرضها الإجراءات العقابية المتتالية التي تتخذها في مواجهتها على نحو ربما يدفعها إلى رفع مستوى تلك الضغوط وعدم الاستجابة لمثل تلك المبادرات الإيرانية، إلى حين ظهور مؤشرات توحي بأن طهران قد تستجيب بالفعل لمطلبها الأساسي الخاص بإجراء مفاوضات حول الملفات الخلافية الأخرى، على رأسها الاتفاق النووي الحالي والبرنامج الصاروخي والدور الإقليمي.


- صحيح أن «تصفير» الصادرات النفطية الإيرانية لا يبدو مهمة سهلة،حسب اتجاهات

عدة، إلا أن الصحيح أيضاً أن هذه الضغوط الأميركية بدأت تنتج مفاعيل قوية

ومباشرة على الأرض، لدرجة ربما تدفع إيران إلى البحث عن خيارات أخرى للتعامل

مع واشنطن.

طباعة