الرئيس السوداني يراهن على دعم تركيا وقطر

تدابير البشير تفشل في تحجيم الاحتجاجات

صورة

يعتقد محللون أن بقاء الرئيس السوداني، عمر البشير، في السلطة لن يتأثر بالاحتجاجات الأخيرة في بلاده، إلا أن بقاءه السياسي سيكون أكثر ارتباطاً بتركيا وقطر. وتعود هذه الاحتجاجات لأسباب اقتصادية، إذ سحبت الحكومة الدعم عن الخبز، ما تسبب في زيادة أسعاره ثلاثة أضعاف، ويجيء ذلك على خلفية التضخم الجامح (ارتفعت الأسعار بنسبة 72٪ في ديسمبر)، والقيود التي وضعتها الحكومة على السحوبات البنكية، وتخفيض قيمة الجنيه السوداني، ما تسبب في نقص الوقود والدواء.

ورد النظام على الاحتجاجات بتكتيكات قمعية، حيث قتل حتى الآن ما لا يقل عن 30 شخصاً، وفقاً للأرقام الرسمية، بينما تقول منظمات حقوق الإنسان إن عدد القتلى وصل إلى 45 شخصاً، واعتقلت السلطات أكثر من 800 شخص. وفي حادث مريع، دخلت قوات الأمن مستشفى، في 10 يناير، يقع على أطراف الخرطوم، وأطلقت الذخيرة الحية والغاز المسيل للدموع على المرضى وموظفي المستشفى. كما اعتقل النظام سياسيين وصحافيين، وحجب مواقع إعلامية واجتماعية، وألغى تأشيرات صحافيين أجانب.

رفض

ويرفض البشير، الذي ظل في السلطة منذ عام 1989، بشدة التنحي عن الحكم، وبدلاً من ذلك، وعدت ميزانية حكومته في بداية هذا العام بعدم سحب المزيد من الدعم على السلع، كما وعدت بزيادة رواتب العاملين في القطاع العام، وتوسيع مزايا الرعاية الصحية. إلا أن هذه التدابير فشلت حتى الآن في وضع حد للاحتجاجات، والأكثر من ذلك أن الأحزاب السياسية المتحالفة مع حزب البشير، المؤتمر الوطني، انسحبت من الائتلاف، ودعت إلى تشكيل مجلس انتقالي مؤقت لإدارة البلاد.

ومع ذلك، يحظى البشير بدعم الجيش السوداني وأجهزة الاستخبارات، وفي نهاية المطاف من المرجح أن يخمد هذه الاحتجاجات، من خلال سلسلة من التدابير الاقتصادية الأخرى. لكنه سيحتاج - لتحقيق ذلك - مساعدة من البلدان الصديقة، التي حاول استغلال دعمها، وإن كان على نحو مختلف، منذ عام 2011.

فقدان المصادر

بعد انفصال جنوب السودان عام 2011، خسر السودان الشمالي 70٪ من إيراداته بسبب أيلولة معظم حقول النفط لدولة جنوب السودان، وحاول البشير إعادة تأهيل السودان دولياً - بشكل أكثر تحديداً، مع الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين. ففي عام 2016، على سبيل المثال، قطع السودان علاقاته مع إيران، التي كانت حتى ذلك الوقت حليفة له لمدة 25 عاماً. ثم سعى إلى علاقات أفضل مع المملكة العربية السعودية، من خلال تقديم الدعم العسكري للتحالف الذي تقوده السعودية ضد الحوثيين في اليمن.

وقد أودعت السعودية مليار دولار أميركي في البنك المركزي السوداني، ووعدت باستثمارات جديدة.

ورفعت الولايات المتحدة، في عام 2017، جزئياً العقوبات المفروضة على السودان، لكنها واصلت إدراج البلاد ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب. وقد أدى هذا إلى امتعاض متزايد لدى الطبقة السياسية السودانية، التي قالت في بعض الأحيان صراحة في البرلمان، إن البلاد لم تجنِ المستوى المتوقع من المنافع الاقتصادية من ارتباطها مع الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين.

مشاركة أعمق

ونتيجة لذلك، توصل البشير إلى مشاركة اقتصادية وعسكرية أعمق مع تركيا وقطر. وبدأ التحالف بين الدول الثلاث منذ أوائل عام 2017، عندما استضافت الخرطوم اجتماعاً مشتركاً لوزراء دفاع تركيا وقطر والسودان. وفي ديسمبر 2017، أبرم السودان اتفاقاً مع أنقرة لتأجير ميناء سواكن السوداني، لكي تتمركز فيها قطع سلاحها البحري التركي، ما يمنحها قاعدة بحرية أخرى في البحر الأحمر، بالإضافة إلى تلك التي تعمل انطلاقاً منها بالفعل في الصومال.

وفي مارس الماضي، وقعت قطر اتفاقية بقيمة أربعة مليارات دولار مع السودان لتطوير ميناء سواكن، ما يوحي بتمدد النفوذ القطري التركي في البحر الأحمر. كما أعلنت قطر وتركيا عن خطط استثمارية كبيرة في قطاعات الزراعة والبنية التحتية والدفاع في السودان. واشترت الدولتان الأراضي الزراعية السودانية لضمان أمنهما الغذائي. وفي سبتمبر، أبرمت تركيا، أيضاً، صفقة للتنقيب عن النفط بقيمة 100 مليون دولار مع السودان.

من المهم أن نلاحظ أن قطر والسودان وتركيا تحكمها أنظمة متعاطفة مع جماعة «الإخوان». في حالة السودان، فإن حزب المؤتمر الوطني الحاكم، يعتبر الفرع السوداني لجماعة «الإخوان». وفي الواقع، يتبنى حزب المؤتمر الوطني مبادئ مماثلة لمبادئ «الإخوان». واتهمت مصر في السنوات الأخيرة السودان بشكل منتظم بدعم ضمني لـ«الإخوان»، وتوفير الملاذ الآمن لهم.

ومن الملاحظ أن رحلة البشير إلى قطر، الشهر الماضي، كانت أول رحلة خارجية له منذ اندلاع الاحتجاجات. وفي أول رد فعل لها على التظاهرات، وعدت قطر بتوفير «كل ما هو مطلوب» لمساعدة الخرطوم في التغلب على الأزمة. ومع ذلك، من المرجح أن تزيد الاحتجاجات الجارية من تحفيز انضمام السودان إلى التحالف القطري - التركي، حيث إن هذه العملية بدأت قبل فترة طويلة من بدء التظاهرات. كما أنه يناسب الميول السياسية لنظام البشير.

ويجب فهم كل ذلك بالنسبة للمنطقة، لأن مسار السودان الجغرافي السياسي مهم للغاية ولا يمكن إغفاله، فالسودان دولة يبلغ عدد سكانها 40 مليون نسمة، وتقع على البحر الأحمر، وتربط الشرق الأوسط بالقرن الإفريقي وما وراءه.

دانيانيش كمات محلل سياسي مهتم بمنطقة الشرق الأوسط


بعد انفصال جنوب السودان عام 2011، خسر السودان الشمالي 70% من إيراداته، بسبب أيلولة معظم حقول النفط لدولة جنوب السودان، وحاول البشير إعادة تأهيل السودان دولياً، بشكل أكثر تحديدًا، مع الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين.

يرجح أن تزيد الاحتجاجات الجارية من تحفيز انضمام السودان إلى التحالف القطري - التركي، حيث إن هذه العملية بدأت قبل فترة طويلة من بدء التظاهرات.كما أنه يناسب الميول السياسية لنظام البشير.

طباعة