بحجة أن سورية تتحالف مع إيران و«حزب الله»

إسرائيل تسعى للحصول على اعتراف أميركي بضم هضبة الجولان

صورة

هل تعترف الولايات المتحدة بالسيادة الإسرائيلية المستدامة على مرتفعات الجولان؟ خرج هذا السؤال إلى العلن في الأسابيع القليلة الماضية، في الوقت الذي تزمع فيه إسرائيل تنظيم انتخابات في أبريل. وبحسب ما ورد، فقد ظل رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يضغط على إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بشأن فكرة الاعتراف الرسمي بضم إسرائيل عام 1981 للأراضي السورية.

مناورة دبلوماسية

هناك الكثير من الأسباب التي تجعلنا نشك في أن هذه المناورة الدبلوماسية يحفزها في المقام الأول أمل نتنياهو في تحقيق مكاسب سياسية داخلية، لأن إعادة انتخابه تأتي في وقت يواجه فيه اتهامات محتملة بالفساد، وأن مثل هذه المباحثات الأميركية - الإسرائيلية هي عبارة عن عرض ثانوي لسبب استراتيجي أكثر جوهرية. وسواء كانت واشنطن تعترف بضم إسرائيل للجولان أم لا، لا يفكر الإسرائيليون من الانسحاب أبداً من مرتفعات الجولان، ولا يعتقدون في ذلك.

لقد احتلت إسرائيل المنطقة في حرب يونيو 1967، واحتفظت بها منذ ذلك الحين. ويجادل المنتقدون بأن اعتراف الولايات المتحدة بضم إسرائيل للجولان من شأنه أن يشرعن الاستيلاء على الأراضي بالقوة، ما يشكل سابقة بالنسبة للضفة الغربية وما وراءها. إنه نقد منطقي لا توجد إجابة جيدة له، ولكن هناك أسباب ترى إسرائيل من خلالها أن ضم الجولان بشكل سافر يشكل إثارة أقل من ضم الضفة الغربية، وقبل كل شيء، فإن ضم الجولان لا يتطلب السيطرة على سكان عدائيين بشكل كبير، لأن ما يقرب من 27 ألفاً من الدروز في هضبة الجولان اندمجوا تحت سلطة إسرائيل بهدوء، بينما سعى سكان آخرون بأعداد صغيرة للحصول على الجنسية الإسرائيلية، ولكن بشكل متزايد.

فضلاً عن ذلك، فإن الإسرائيليين لم يسعوا بشكل مستديم للحصول على اعتراف الولايات المتحدة بهضبة الجولان كجزء من إسرائيل. فقد بذلت إسرائيل في التسعينات جهداً كبيراً مع الدبلوماسيين الأميركيين على صياغة اتفاقات لإعادة الجولان إلى سورية. في عام 2010، كان الإسرائيليون يتفاوضون بشكل غير مباشر مع السوريين عبر الولايات المتحدة. وقبل بضع سنوات فقط، كانت الحكومة التركية تسهل المحادثات غير المباشرة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إيهود أولمرت والرئيس السوري، بشار الأسد. ورغم أن مكتب نتنياهو نفى ذلك، فإن مقترح السلام لعام 2010 تضمن انسحاباً من مرتفعات الجولان، وإن لم يكن كلها.

اهتمام

لقد كان الاهتمام الإسرائيلي منصباً على مبادلة مرتفعات الجولان في أي محادثات مع سورية، ولكن هذا الاهتمام مبني على الاعتقاد، أو التمني، بالتوصل إلى معاهدة سلام مع سورية، تشترط انسلاخ سورية من محور إيران - «حزب الله». هذا الأمر منطقي فقط على الورق، لكن انسلاخ السوريين من إيران و«حزب الله» لن يحدث. كان الرئيس السوري السابق، حافظ الأسد، مشاركاً في أحسن الأحوال، على مضض، في عملية السلام في التسعينيات، وجاء الدبلوماسيون السوريون إلى المحادثات، لكنهم لم يتفاوضوا في الواقع أبداً.

في كتابه الجديد «الوسط العربي.. وعد الاعتدال»، يروي وزير الخارجية الأردني السابق، مروان المعشر، كيف سعى السوريون إلى عرقلة السلام الإقليمي بدلاً من الإسهام فيه. صحيح أن حافظ الأسد استحضر «سلام الشجعان»، لكن الالتفاف حول الطاولة لمصافحة رئيس الولايات المتحدة والزعيم الإسرائيلي ليست هي الطريقة التي يتبعها لإنجاز العمل.

وبدلاً من ذلك، كان الأسد يجتهد بما يكفي لإبقاء أعدائه على مبعدة منه - على سبيل المثال، كان يفضل إرسال وزير خارجيته، فاروق الشرع، أو أي شخصية أخرى في النظام لمقابلة رئيس الوزراء الإسرائيلي، إيهود باراك - مع الاحتفاظ بالوسائل اللازمة لإلحاق الأذى بأعدائه، مثل تسهيل نقل الأسلحة إلى «حزب الله». وكان حاذقاً، بينما ظل ابنه يتأرجح، ونتيجة لذلك، هناك فرصة ضئيلة للغاية للتخلي عن حليفه الاستراتيجي، إيران و«حزب الله»، من أجل التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل.

في ظل هذه الظروف، من المدهش أن إسرائيل - بما في ذلك المؤسسة الأمنية التي تتبجح بانتصاراتها- بدت متلهفة للتخلي عن مرتفعات الجولان. إن اتفاقية فك الارتباط المبرمة عام 1974 بين إسرائيل وسورية توفر نوعاً من التغطية القانونية لحقيقة مهمة: فالهدوء على طول الجبهة الإسرائيلية السورية على مدى السنوات الـ45 الماضية تحقق ليس بفضل قدرات الجيش الإسرائيلي فحسب، بل بفضل الميزة التي لا مثيل لها، والتي توفرها هذه المرتفعات. بالطبع يساعد الجولان في مضاعفة قوة إسرائيل في حالة نشوب حرب، ولكن الأكثر أهمية هو ما توفره الجولان للأمن الإسرائيلي من منصة لا نظير لها لجمع المعلومات الاستخبارية. فمن موقعه على مرتفعات الجولان، يستطيع الجيش الإسرائيلي أن يستطلع وينصت لما يجري في الوادي التالي الذي يؤدي إلى دمشق، ويقع على بعد نحو 45 ميلاً فقط. لا شيء مضموناً بالطبع، واجه الإسرائيليون الكثير من المتاعب عندما هاجمهم السوريون في السادس من أكتوبر من ذلك العام، ولكن لا شك في أن التمسك بالهضبة هو أفضل من الانسحاب منها ومن مواجهة عدم اليقين من نجاح أي اتفاق مع النظام السوري.

بشار أكثر صعوبة

إذا كان حافظ الأسد وجد صعوبة في التصالح مع إسرائيل، فإن الأمر يصبح أكثر صعوبة بالنسبة لبشار. عندما توفي الأسد الأكبر في صيف عام 2000، كانت هناك تكهنات كثيرة بأن ابنه سيكون مصلحاً، وقادراً على صنع السلام مع إسرائيل. ولكن ثبت أن هذا يقع في فئة التمنيات. فعندما كان الإسرائيليون يتفاوضون مع سورية عبر تركيا في عام 2008، اعتقد الإسرائيليون أنه يمكنهم الوثوق برئيس الوزراء التركي في ذلك الوقت والرئيس الحالي، رجب طيب أردوغان، في جلب الزعيم السوري الشاب إلى الطاولة، وإبعاده عن الإيرانيين. وعلى الرغم من جميع مهارات أردوغان، ومقدار الجهد الذي استثمره في سورية، لم يتمكن من المضي قدماً في المفاوضات. لا شك أن عملية «الرصاص المصبوب» عام 2008 (الاسم العملي لحربها في ذلك العام في غزة) قد قلصت الجهد التركي، ولكن لا يوجد ما يدعو إلى الاعتقاد بأن السوريين سيكونون راغبين في عقد صفقة مع إسرائيل.

في أواخر يناير 2011، بعد سقوط الرئيس التونسي السابق، زين العابدين بن علي، وتوتر الأمور في مصر خلال حقبة حكم الرئيس السابق، حسني مبارك، أعلن الأسد أن الانتفاضة ضد نظامه لا يمكن أن تحدث في سورية، لأن «هناك اختلافاً ضئيلاً بين السياسة والمعتقدات ومصالح الناس» في بلده. لم يكن كلامه صحيحاً، وبدأ الاحتجاج الشعبي في سورية بعد بضعة أشهر، وعندما أثبت الأسد الابن أنه ليس مثل أبيه في التعامل مع الأزمات، جاءت لإنقاذه إيران، التي سعت حتى الآن إلى إقامة وجود دائم لها على حدود إسرائيل. وهذا ليس مهماً، على الرغم من أن إيران وقوتها الاستكشافية، المتمثلة في «حزب الله»، تشكلان تهديداً لأمن الإسرائيليين، لأن مرتفعات الجولان ستظل مهمة للغاية في منع الطرفين من تحقيق غاياتهما.

هذه هي البيئة التي ظهرت فيها فكرة الضغط على الولايات المتحدة لتعترف بضم إسرائيل للجولان، الأمر الذي يجعلها قضية أكثر إلحاحاً بالنسبة لنتنياهو. ومع ذلك، فإن الوضع الراهن الذي تتجاهل فيه الولايات المتحدة ببساطة الاعتراف بضم إسرائيل لهذه المنطقة يفضله الأميركيون أكثر، لأن أي اعتراف قد يفتح الباب أمام جدال دولي سيؤدي إلى نتائج عكسية، وإلى تسليط الضوء أكثر على الجولان، ما قد يحرض على معارضة الوجود الإسرائيلي هناك في وقت يسود فيه الهدوء. وفي الواقع، ليست هناك حاجة للاعتراف، لأن إسرائيل في الجولان لأسبابها الخاصة، ومهما قررت إدارة ترامب فلن يغير من الواقع شيئاً.


يجادل المنتقدون بأن اعتراف الولايات المتحدة بضم إسرائيل  للجولان من شأنه أن يشرعن الاستيلاء على الأراضي بالقوة، ما يشكل سابقة بالنسبة للضفة الغربية وما وراءها.

أسباب كثيرة تجعلنا نشك في أن هذه المناورة الدبلوماسية يحفزها في المقام الأول أمل نتنياهو في تحقيق مكاسب سياسية داخلية.

طباعة