الخطوة ستؤجج الصراع في المنطقة

اللوبي المسيحي الإنجيلي «عرّاب» نقل السفارة الأميركية

صورة

يمكن رؤية اللافتات في جميع أنحاء المدينة، على الحافلات وأعمدة الإنارة العامة والمباني وفي الشوارع، إنها تقول «ترامب.. اجعل إسرائيل عظيمة»، و«ترامب صديق صهيون». ومع ذلك، فإن هذه الرسائل، التي تحتفي بافتتاح السفارة الأميركية الجديدة في القدس، مضللة نوعاً ما، على الرغم من أنها تبدو ثناءً إسرائيلياً على الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وقراره بنقل المرفق من تل أبيب، إلا أنها في الواقع من إنتاج منظمة مسيحية إنجيلية أميركية، تسمى «أصدقاء متحف صهيون». ورفعت هذه اللافتات على طول الشوارع المتعرجة في القدس الجبلية، المطلة على الأحياء الفلسطينية في الوادي أدناه، فيما يبدو مفارقة للفجوة بين احتفال هذه المجموعة والأخرى التي تعيش الحداد. وفي كلمة مباشرة عبر الأقمار الاصطناعية، هنأ ترامب الإسرائيليين، قائلاً «تهانينا.. لقد طال انتظار هذه اللحظة».

ومع ذلك، افتتحت السفارة يوم الإثنين، وسط احتجاجات دموية لم يسبق لها مثيل في غزة، حيث أصيب الآلاف في أسابيع من التظاهرات، على طول السياج الحدودي. وفي الوقت الذي صعد فيه السفير الأميركي، ديفيد فريدمان، المنصة، كانت وزارة الصحة في غزة تبلغ عن مقتل نحو 30 شخصاً على يد القوات الإسرائيلية في الاحتجاجات، ونحو 1000 جريح. وكان الاحتفال في القدس، وهو انتصار تطالب به كل من الجماعات المسيحية واليهودية الأميركية، تبايناً مرتبكاً مع العنف في الأراضي الفلسطينية. وعلى الرغم من نداءات السلام التي أطلقها مسؤولون إسرائيليون وأميركيون، خلال الحفل الذي أقيم أول من أمس، إلا أن هذه اللحظة أشارت إلى صعوبة أي نوع من التسوية.

تعصب ديني

اعترض بعض الذين يؤيدون هذه الخطوة على الأرجح على الطريقة التي قدمتها إدارة ترامب. وكان حاكم ولاية ماساشوستس السابق، ميت رومني، قد ذكر يوم الإثنين الماضي أن تعليقات سابقة تجاه اليهود والمورمون والمسلمين، يجب أن تستبعد «مثل هذا التعصب الديني» من حفل افتتاح السفارة في القدس.

لكن أكبر تنافر مع الاحتفال بالسفارة كان بلا شك سفك الدماء على الحدود مع غزة، وطوال أسابيع، كان الغزيون يحتجون على هذا الأسبوع الفوضوي. وتجمع الناس على طول السياج الحدودي مع إسرائيل، ورشقوا الجانب الآخر بالحجارة والطائرات الورقية المشتعلة، احتجاجاً على نزوح الفلسطينيين من أوطانهم التاريخية. ونظمت حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، التي تحكم القطاع، والمصنفة إرهابية من قبل الولايات المتحدة، الاحتجاجات بالتزامن مع نقل السفارة، وهذا المشهد هو واحد من علامات عدة لتاريخ الصراع هذا الأسبوع.

لقد كان لهذا «الإنجاز» ثمناً قاسياً لما ترتب عليه من ألم لحق بجيل كامل. إنهم يمثلون نصف سكان هذه الأرض، لكن لا صدى لهذه المعاناة في أي مكان وسط صخب الأميركي. وفي نهاية الحفل، غنت مطربة إسرائيلية أغنية «السلام سيأتي إلينا». لم يكن أحد في القاعة يدرك التناقض بين هذا الاحتفال، والعنف الذي حدث لبضع ساعات جنوباً، أو ربما لم يهتموا. وقال كوشنر إن «إثارة المشكلات التي نراها اليوم في غزة هي جزء من المشكلة، وليست جزءاً من الحل».

وكما لا تعكس الاحتفالات الأميركية في إسرائيل بالضرورة ما يحدث هنا، فإن التظاهرة الحقيقية لمن يملك القدس لم تتم يوم الإثنين، بل يوم الأحد، خلال «يوم القدس». تدفق آلاف الإسرائيليين - ومعظمهم من الصبية الصغار - عبر بوابة دمشق والحي الإسلامي في القدس نحو الحائط الغربي، حيث احتفلوا باليوم الذي احتل فيه اليهود المدينة. كانت هذه المنطقة من المدينة القديمة بشكل روتيني موقعاً لصراع عنيف بين اليهود والفلسطينيين، وعادة ما يسلك اليهود طريقاً آخر للوصول إلى «موقعهم المقدس». وبينما كان الرجال يرتدون القلنسوات، يركضون ويغنون ويصرخون، كان الفلسطينيون يشاهدون من متاجرهم. وفي النهاية، أطفأوا الأضواء، وأغلقوا أبوابهم.


• أكبر تنافر مع الاحتفال بنقل السفارة كان بلا شك سفك الدماء على الحدود مع غزة، وطوال أسابيع كان الغزيون يحتجون على هذا الأسبوع الفوضوي.

• تُعارض الجماعات اليسارية الأميركية، مثل «جيه ستريت»، نقل السفارة الأميركية إلى القدس، وتوقعت في ديسمبر أنه «سيثير غضب حلفاء عرب رئيسين، ويسهم في عدم الاستقرار في المنطقة، ويقوّض الجهود الدبلوماسية الأميركية الجديدة لحل الصراع الأكبر».

احتفل بعض الإسرائيليين علناً بترامب، وأعلن فريق «بيتار»، وهو فريق كرة قدم في القدس مشهور بمشجعيه المناهضين للمسلمين، أنه سيضيف «ترامب» إلى اسم الفريق.

نقطة اتصال

لكن الكثير من الإسرائيليين لا يهتمون حقاً بأن أميركا قد نقلت سفارتها إلى القدس، إذ تعتبر المدينة بالفعل «عاصمة» إسرائيل، فهي مقر برلمانها والمحكمة العليا والمباني التنفيذية، ومقر إقامة رئيس الوزراء، وأكثر من ذلك.

من الناحية العملية، لا يغير إعلان ترامب الكثير من الأداء الدبلوماسي الأميركي في القدس. وتقع السفارة الجديدة في مبنى القنصلية الأميركية السابقة، وهي مزودة الآن بلافتات جديدة، ومكتب للسفير فريدمان. وفي حين أن السفارة في القدس ستتولى بعض خدمات التأشيرات، فإن القنصلية الأميركية ستظل مهمة ومستقلة، ونقطة الاتصال الدبلوماسية الرئيسية للفلسطينيين، وفقاً لمسؤول في وزارة الخارجية. الافتتاح هو رمزي في الغالب، ويشير إلى أولويات الولايات المتحدة في الداخل والخارج. وبالنسبة للكثير من الإسرائيليين، الاحتفال الحقيقي هو يوم الأحد (يوم القدس)، الذي يصادف عودة اليهود إلى الأماكن المقدسة في البلدة القديمة عام 1967.

ولكن في هذه المدينة، أصبح احتفال مجموعة مأساة لمجموعة أخرى. ويرى الفلسطينيون توقيت افتتاح السفارة كإجراء استفزازي وعدواني. وقد تم تحديد موعده في اليوم الذي قامت فيه دولة إسرائيل في عام 1948، والذي يأتي قبل يوم واحد مما يسميه الفلسطينيون «النكبة»، إذ تم إجلاؤهم قسرياً من الأراضي العربية. ووصف صائب عريقات، وهو مسؤول فلسطيني كبير، القرار بأنه «عمل عدائي سيئ السمعة ضد القانون الدولي»، معتبراً أن إدارة ترامب تشجع «الفوضى الدولية»، و«تشجع الاحتلال الإسرائيلي ومشروع الاستيطان الاستعماري».

كثير من الناس الذين يفرحون حقاً بهذا القرار هم من الأميركيين. أخبرني أورلي مانوفيتز، وهو مواطن من منطقة «كوينز»، يبلغ من العمر 48 عاماً، انتقل إلى إسرائيل قبل ثلاثة عقود، أنه صوت لمصلحة ترامب لأنه كان رجل أعمال. ومن خلال الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل «قرر ترامب تبني الحقيقة وليس الدبلوماسية»، على حد قوله. من جهته، قال صهر ومستشار الرئيس الأميركي، غاريد كوشنر «في هذا اليوم، سنتذكر أن رحلة السلام بدأت مع أميركا قوية تعترف بالحقيقة». وقد يكون بعض المسيحيين الأميركيين أكثر حماساً من اليهود أنفسهم. وفي ذلك يقول عميد مركز «سيمون فيزنتال»، الحاخام ابراهام كوبر، الذي حضر احتفال يوم الإثنين، إن «العالم اليهودي مدين للمسيحيين بقدر كبير»، وأثنى على حضور إيفانكا ترامب، ابنة الرئيس الأميركي.

تأثير واضح

كان التأثير المسيحي على قرار ترامب واضحاً في حفل افتتاح السفارة يوم الإثنين في القدس، فقد أقام حاخام واحد، وهو زلمان وولويك، الصلاة، في حين أن اثنين من الرعاة الإنجيليين، بمن في ذلك مستشار ترامب، روبرت جيفريس، ورئيس مجموعة الضغط «مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل»، جون هاغي، نشّطا طقوساً دينية بهذه المناسبة.

المسيحيون الإنجيليون، على وجه الخصوص، لديهم «ميل لرؤية إسرائيل على أنها تحقيق للنبوءة»، وفقاً لما قاله لي الرئيس التنفيذي لشبكة الإذاعة المسيحية، غوردون روبرتسون، في مقابلة عبر الهاتف، موضحاً أن «السفارة هي جزء من ذلك». كما يؤيد الكثيرون سياسة التحرك، ومنهم مايك هاكابي، حاكم ولاية أركنسو السابق ومرشح رئاسي، الذي أخبرني أنه «حتى لو لم يكن هناك سجل كتابي، فنحن نعتقد بالتأكيد أن هذا هو الصحيح، والشيء الذي يجب فعله».

حتى عندما كان المزاج احتفالياً عند افتتاح السفارة، حيث كان الضيوف يتجاذبون أطراف الحديث، بالتزامن مع موسيقى المسيرة الاحتفالية، حدث ذلك وسط الفوضى والجدل. وتُعارض الجماعات اليسارية الأميركية، مثل «جيه ستريت»، نقل السفارة، وتوقعت في ديسمبر أنه «سيثير غضب حلفاء عرب رئيسين، ويسهم في عدم الاستقرار في المنطقة، ويقوّض الجهود الدبلوماسية الأميركية الجديدة لحل الصراع الأكبر».