كوشنر وويتكوف يتقدمان.. ووزير خارجية أميركا يبتعد عن الملفات السياسية الشائكة

دبلوماسية «المحسوبية» لدى ترامب تهمّش ماركو روبيو

روبيو يفضّل أن يظل بعيداً عن القضايا التي قد تنتهي بنتائج كارثية لإدارة ترامب. من المصدر

يمكن أن يؤدي إسناد المهام الدبلوماسية البالغة الأهمية إلى أفراد العائلة والشركاء التجاريين إلى إثارة غضب شعبي في معظم الدول الديمقراطية، لكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب جعل هذه الممارسة أمراً معتاداً.

وفي ظل هذا النمط من «دبلوماسية المحاسيب»، غالباً ما تتقدم الولاءات الشخصية والمكاسب الخاصة والشبكات غير الرسمية على الإجراءات المؤسسية والمصلحة الوطنية، بالتزامن مع تراجع المساءلة.

وفي هذا السياق، لا يبدو مفاجئاً أن الجولات الخارجية الأخيرة لوزير الخارجية ماركو روبيو تجنبت بؤر التوتر الرئيسة في العالم، إذ شملت كولومبيا والإكوادور وبيرو وآيسلندا واليونان والبرتغال، وأخيراً أوزبكستان والهند.

وبدلاً من الاعتماد على روبيو والسلك الدبلوماسي المحترف، لجأ ترامب مراراً إلى صهره جاريد كوشنر وشريكه التجاري ستيف ويتكوف، وهو شخصية بارزة في قطاع العقارات في مانهاتن، لقيادة مفاوضات بالغة الحساسية تتعلق بأوكرانيا وروسيا وغزة وإيران. وتولى الرجلان مهامهما بصفتهما «مبعوثين خاصين» للسلام، رغم افتقارهما إلى الخبرة الدبلوماسية السابقة، فضلاً عن مواجهتهما تضارباً واضحاً في المصالح.

ويميل جدول رحلات روبيو بوضوح نحو المناطق الأقل خطورة، متجنباً بؤر الصراع الرئيسة في العالم. ويرى منتقدون أنه يتعمّد ذلك لحماية مستقبله السياسي، فابتعاده عن أكثر أزمات السياسة الخارجية تعقيداً وتقلباً في عهد إدارة ترامب، بما فيها سياسة الإدارة المضطربة تجاه الصين، يبقيه بعيداً عن الملفات التي قد تفضي إلى نتائج كارثية.

وربما قدّر روبيو أن مسيرته المهنية على المدى الطويل، التي قد تشمل خوض سباق الرئاسة عام 2028، ستكون في وضع أفضل إذا تجنب حقول الألغام الرئيسة في السياسة الخارجية للإدارة.

وأدت استراتيجية إدارة ترامب، المتبعة منذ توليه السلطة، والرامية إلى خنق كوبا، إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في الجزيرة، من دون أن تنجح في تغيير النظام.

وفي فنزويلا، تُودع عائدات صادرات النفط مباشرة في حسابات تخضع لسيطرة وزارة الخزانة الأميركية، حيث يشرف روبيو فعلياً على صادرات البلاد وشؤونها المالية، بما في ذلك تحديد توقيت صرف الأموال لكاراكاس وحجمها وأوجه إنفاقها.

وغالباً ما توصف هذه العلاقة بأنها أشبه بـ«مصروف أسبوعي» يُخصص لأغراض إنسانية أو لمشروعات بنية تحتية معتمدة. وتبدو هذه الصورة وكأن روبيو يدير فنزويلا وفق نهج استعماري جديد.

وكان توسيع صادرات النفط الفنزويلية أحد الأهداف الرئيسة لزيارة روبيو الأخيرة إلى الهند، حيث زار مجمعاً لتكرير النفط في مدينة «جامناغار»، يُعد الأكبر من نوعه في العالم.

وتجدر الإشارة إلى أن تكرير النفط الخام الفنزويلي، الذي يتميز بثقله الشديد وارتفاع محتواه من الكبريت، يتطلب طاقة أكبر، وينتج عنه انبعاثات كربونية أعلى، ويستغرق وقتاً أطول بكثير مقارنة بتكرير النفط الخام الخفيف والأعلى جودة.

وتبلغ القدرة المعالجة لمجمع «جامناغار» نحو 1.4 مليون برميل يومياً، ما يجعله من بين مراكز التكرير والتصدير الخاصة فائقة التعقيد والقادرة على معالجة أنواع مختلفة من النفط الخام وتحويلها إلى وقود عالي النقاء.

ويضم المجمع، المملوك لشركة «ريلاينس إندستريز» التابعة لرجل الأعمال الهندي موكيش أمباني، منشأة مخصصة للتصدير فقط داخل منطقة اقتصادية خاصة، ما يجعله مورداً مرناً وحيوياً للأسواق الدولية.

ومن غير المرجح أن تزيد الهند وارداتها من النفط الفنزويلي بصورة ملموسة، في وقت تسعى فيه إلى تعزيز أمن الطاقة من خلال تنويع مصادر الإمداد، ولا سيما أن استيراد هذا النفط ينطوي على تكاليف أعلى للنقل والتأمين البحري.

وكشفت زيارة روبيو للهند حدود ما يمكن أن تحققه سياسة خارجية مشتتة في عصر تهيمن عليه «دبلوماسية المحسوبية» الأميركية. فالدبلوماسية ليست مجرد عقد صفقات تجارية، كما يبدو أن ترامب يعتقد.

ومنذ عودة ترامب إلى منصبه، باتت الدبلوماسية الأميركية في الشرق الأوسط، على سبيل المثال، تعكس بصورة متزايدة أولويات شخصية وتجارية.

ومن الأمثلة على ذلك مقترح جاريد كوشنر بشأن «غزة الجديدة»، الذي كُشف عنه في دافوس، وقوبل بانتقادات واسعة، ووصفه كثيرون هناك بأنه «دبلوماسية عقارية»، إذ يتعامل مع الدمار واسع النطاق باعتباره فرصة تجارية.

ومن خلال تقويض دور وزير الخارجية، أعاد ترامب صياغة الدبلوماسية الأميركية على صورته، لتصبح قائمة على العلاقات الشخصية والمساومات المصلحية والأسلوب المتعسف وغياب الشفافية.

والنتيجة، وفق هذا الطرح، أن الولايات المتحدة أصبحت أقل مصداقية وأقل جدارة بالثقة، وبالتالي أقل فاعلية على الساحة الدولية.  عن «ذا هيل»

• الولاءات الشخصية تطغى على الدبلوماسية الأميركية في عهد ترامب.

• ربما قدّر روبيو أن مسيرته المهنية على المدى الطويل، التي قد تشمل خوض سباق الرئاسة عام 2028، ستكون في وضع أفضل إذا تجنّب حقول الألغام الرئيسة في السياسة الخارجية للإدارة.

تويتر