فيسك: رياح التغيير تصطدم بالنفاق الغربي

مصريون نظفوا ميدان التحرير والشوارع المؤدية إليه بعد نجاح ثورتهم. أ.ب

لا يوجد مقياس لقياس النفاق الغربي أفضل من ثورة عربية، خصوصاً إذا كانت تلك الثورة مدنية وإنسانية تطغى عليها المطالب الكاسحة بنوع من الديمقراطية التي تسود في أوروبا وأميركا.

والهراء الذي تفوه به كل من (الرئيس الأميركي باراك) أوباما والسيدة (وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري) كلينتون خلال الأسبوعين الماضيين، ما هو إلى جزء من المشكلة. وبعد أن استخدمت كلمات «الاستقرار» و«العاصفة الكاملة»، انتهينا إلى التصريح الرئاسي «الآن يعني أمس»، و«الانتقال المنظم»، التى تعني عدم اندلاع أعمال عنف.

ولعل دلالات عدم الاحترام، تتجلى عندما حاولت قناة «فوكس نيوز» الأميركية إظهار أن «الإخوان المسلمين» هم من يقفون وراء الرجال والنساء الشجعان المعتصمين في ميدان التحرير، والذين لديهم الجرأة على مقاومة الشرطة.

كلنا نعلم لماذا السيد ألان فنكلشتاين يتحدث عن «إعجابه» بالديمقراطيين لكن مع الحاجة إلى «الحيطة»، وقد يكون ذلك أدنى نقطة بالنسبة لفيلسوف، لأننا اليوم لا نعلم، فوق كل شيء، إلى ماذا ستؤول الأمور.

ويتطابق ذلك مع ما قاله ذات يوم (وزير الدفاع الأميركي السابق) دونالد رامسفيلد «من الضروري أن نأخذ في الحسبان التعقيد الذي يشوب الوضع». ومن الغرابة أيضاً أن هذا ما يقوله المسؤولون الإسرائيليون للمستوطنين عندما يطالب مسؤول غربي تل أبيب بوقف سرقة الأراضي العربية في الضفة الغربية.

ردود فعل الدولة العبرية حيال الأحداث في مصر كأنها تقول إن هذا ليس وقت الديمقراطية في مصر، وبذلك لا تصبح إسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، إن إسرائيل ربما ستكون أكثر أمناً إذا أحيطت بديمقراطيات حقيقية.

وقد اعترف المفكر الفرنسي دانيال ليندينبيرغ، بالحقيقة هذا الأسبوع عندما قال «علينا للأسف أن نعترف بأن الكثير من المثقفين يعتقدون على نحو عميق بأن الشعب العربي متخلف بطبيعته».

ليس هناك شيء جديد في هذا المجال. الأمر ينطبق على مشاعرنا الدفينة حول العالم الإسلامي بأكمله. المستشارة (الألمانية أنغيلا) ميركل تعلن في ألمانيا أن التعددية الثقافية فشلت، وشخص يزعم انتماءه للأسرة المالكة في ولاية بافاريا قال لي قبل فترة إن هناك الكثير من الأتراك في ألمانيا، وهذا يدل على أنهم «لا يريدون أن يكونوا جزءاً من المجتمع الألماني».

ولكن عندما تكون تركيا نفسها - بالكاد مزيج مثالي من الإسلام والديمقراطية على مستوى الشرق الأوسط في الوقت الراهن - تطلب الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي للمشاركة في حضارتنا الغربية، ونحن نبحث بيأس عن أي علاج، ولكن عنصريتنا، تمنعها من العضوية. وبعبارة أخرى، نحن نريد منهم أن يكونوا مثلنا، شريطة البقاء بعيداً عنا. ومن ثم، عندما يثبت أنهم يريدون أن يكونوا مثلنا ولا يريدون غزو أوروبا، نبذل قصارى جهدنا لتنصيب جنرال آخر مدرب على الطريقة الأميركية لقيادتهم. تماماً كما كان رد فعل بول وولفويتز عندما رفض البرلمان التركي السماح للقوات الاميركية بغزو العراق من جنوب تركيا، متسائلاً عما إذا كان لدى الجنرالات (الاتراك) «رأي مختلف حول هذه المسألة»، ويتعين علينا الآن الاستماع بينما يتودد وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس إلى ضباط الجيش المصري من أجل «ضبط النفس»، وعلى ما يبدو لم يدرك هذا المسؤول أن من يستحق الإشادة هو شعب مصر، وأنصار الديمقراطية، الذين تحلوا بضبط النفس ونبذوا العنف، وليس حفنة من الضباط الكبار.

إن العرب عندما يريدون الكرامة واحترام الذات، وعندما يطالبون بالمستقبل نفسه الذي تحدث عنه الرئيس الأميركي في خطابه الشهير في جامعة القاهرة عام ،2009 فإننا، نحن الغرب، نظهر له عدم الاحترام، وبدلاً من الترحيب بالمطالب الديمقراطية، نتعامل معها كأنها كارثة، انه أمر جيد أن نرى صحافيين أميركيين جادين مثل روجي كوهين وهو يكتب من «وراء السطور» الحقيقة غير الملمعة عن ميدان التحرير، ويكشف عن نفاق الغرب، إنه عار كبير عندما يتحدث قادة الغرب.

لقد أشار ماكميلان إلى عدم استعداد إفريقيا للديمقراطية في إطار الحديث عن «رياح التغيير»، الآن تهب رياح التغيير عبر العالم العربي، ونحن ندير ظهورنا لها.

 

روبرت فيسك كاتب في صحيفة «الإندبندنت»

طباعة