كتاب جديد يتتبع مسار الأزمة من التحولات الاقتصادية إلى الإخفاقات العسكرية وصعود «اليمين»
سياسات ما بعد الحرب الباردة تؤدي إلى تراجع العالم الغربي
عندما وقعت الأزمة المالية العالمية تم تحميل عامة الناس كلفة إنقاذ النموذج الاقتصادي السابق. رويترز
تبدو مظاهر التراجع في العالم الغربي حاضرة في العديد من المجالات، حيث حقق اليمين المتطرف في ألمانيا تقدماً جديداً خلال انتخابات إقليمية جرت أخيراً، بعد أن حصد نحو 40% من الأصوات في ولاية «مكلنبورغ - فوربومرن».
وفي الوقت نفسه، تستعد فرنسا لإجراءات تقشف مالي تبلغ قيمته 54 مليار يورو، في خطوة من شأنها زيادة الضغوط على ما يعرف بـ«النموذج الاجتماعي الأوروبي»، الذي يواجه أزمات متراكمة أصلاً.
أما في الولايات المتحدة، فقد أسهمت ما يعرف بـ«الترامبية» في إعادة توظيف الخطابات والمؤسسات التي نشأت في سياق «الحرب على الإرهاب»، وتحويلها إلى أدوات تستهدف المعارضين في الداخل، وهو ما يفتح الباب أمام مخاوف من احتمال تحول النظام الأميركي مستقبلاً نحو الاستبداد.
ولا يكاد يكون هناك خلاف حول وجود هذه الأعراض، إلا أن المعركة الكبرى في عصرنا الحالي تتمحور حول كيفية تشخيص أسبابها، وهي معركة يحقق فيها اليمين تقدماً منذ سنوات. وتبدو رواية اليمين بسيطة وفعالة، كما أظهرت نتائج الانتخابات الألمانية الأخيرة، وتقوم على أن الغرب يتجه نحو الانهيار بسبب المهاجرين.
تشخيص الأزمة
وعندما أخبرت أصدقائي بأنني أكتب كتاباً بعنوان «سقوط الغرب: كيف خسروا حقاً»، انتابهم القلق من أن أكون قد تحولت إلى نسخة من رئيسة الوزراء البريطانية السابقة ليز تراس، التي ألّفت كتاباً بعنوان «10 سنوات لإنقاذ الغرب»، وذلك بعد أن أمضت فترة قصيرة جداً في السلطة.
لكن تشخيصي للأزمة يختلف تماماً. فالمنظور الذي أقدمه، يرى أن الغرب يشهد تراجعاً، لأن نخبه أعلنت انتصارها بعد انتهاء الحرب الباردة، ثم ظلت أسيرة لذلك الانتصار ولم تتعاف من تبعاته حتى اليوم.
وروجت تلك النخب لنموذج اقتصادي يقوم على تركيز الثروة في أيدي قلة، أو ما يعرف بـ«نقل الثروة إلى الأعلى»، باعتباره المستقبل الحتمي، بالتزامن مع الاعتماد على قوة عسكرية بدت في مرحلة ما وكأنها لا تُقهر.
وكانت القناعتان تخدمان، في الوقت نفسه، مصالح المستفيدين منهما بصورة مريحة للغاية. وكانت النتيجة شديدة الكلفة، حيث أصبح الاقتصاد عاجزاً عن تحقيق تحسن مستدام في مستويات المعيشة أو الخدمات العامة، في حين انتهت سلسلة من التدخلات العسكرية الغربية إلى نتائج اتسمت بالهزيمة أو الفشل في تحقيق أهدافها المعلنة.
«العلاج بالصدمة»
وكان أكثر ما لفت انتباهي خلال إجراء الأبحاث اللازمة لتأليف كتابي (المقرر إصداره في الأول من أكتوبر المقبل)، هو تكرار الحالات التي تمكن فيها أشخاص من رؤية ما كان قادماً، لكن تحذيراتهم لم تحدث أثراً يذكر.
ففي ربيع عام 1994، أرسل المسؤول السياسي الكبير في السفارة الأميركية بموسكو، واين ميري، برقية مطولة إلى واشنطن، عرض فيها رؤية مخالفة للتيار السائد. وكانت حجج البرقية قوية وصريحة إلى درجة جعلت كاتبها شخصية غير مرغوب فيها داخل أوساط المؤسسة الأميركية المعنية بالسياسة الخارجية.
ولم يكن ميري شخصية راديكالية في الأصل. فقد نشأ في بلدة زراعية تشتهر بزراعة القمح في ولاية أوكلاهوما، وتحمل اسماً غريباً، لكنه حقيقي هو «الكرملين»، وكان في ذلك الوقت من المعجبين بالرئيس الروسي بوريس يلتسين.
لكن ميري أمضى عامين شاهداً على تطبيق سياسة «العلاج بالصدمة»، أي الانتقال المفاجئ والسريع من اقتصاد قائم على التخطيط المركزي إلى اقتصاد سريع الانفتاح، وهي السياسة التي دفعت بها واشنطن، إلى جانب اقتصاديين من جامعة هارفارد وصندوق النقد الدولي، على أنقاض الاقتصاد السوفييتي.
وكان ميري يعتاد وضع الأموال في جيوبه ليعطيها إلى العجائز اللواتي كن يتسولن في الشوارع، قائلاً إنهن «كن يتضورن جوعاً».
وفي ذلك الوقت، كانت روسيا تخضع لحكم تيار من الروس المؤيدين للغرب، إلا أن برقية ميري حذّرت من أن «القوى الديمقراطية في روسيا تواجه مأزقاً خطراً»، مؤكدة أنه «لا يوجد ما يدعو إلى الاعتقاد بأن الاقتصاد الروسي قادر على تحقيق إصلاحات سريعة نحو اقتصاد السوق».
وتوقع ميري أن اختيار الولايات المتحدة لعب «دور المبشر الاقتصادي بدلاً من الشريك الحقيقي» سيؤدي إلى تعزيز قوة المتطرفين، وإحياء «علاقة عدائية بين روسيا والغرب».
وقال لي ميري في وقت لاحق: «نحن ندمر مستويات المعيشة للطبقة العاملة، ثم نتوقع من الناس أن يصوتوا لنا».
حالة من الغرور
وسادت حالة من الغرور والاعتداد بالنصر على الصعيد الداخلي، فلم تكن الاقتصادات الغربية تفتقر إلى الثروة، وإنما أصبحت منظمة بصورة متزايدة لاستخراج هذه الثروة بدلاً من استثمارها.
وفي أوائل عام 2007، أبلغ أحد المديرين التنفيذيين في البنك الدولي صديقاً له بأن أزمة هائلة تلوح في الأفق. واستند في مخاوفه إلى حالة عاملة النظافة لديه، التي كان يشتبه في إقامتها في البلاد من دون أوراق رسمية، لكنها تمكنت رغم ذلك من الحصول على قرض عقاري بقيمة 300 ألف دولار.
وكان التراجع في الأجور قد جرت تغطيته من خلال التوسع في الائتمان الرخيص، وهو النموذج الذي لخصه أحد خبراء الاقتصاد بعبارة «دعهم يأكلوا الائتمان»، وكان هذا الغطاء الهش على وشك التمزق.
وعندما وقعت الأزمة المالية، كان من المفترض أن يشكل ذلك نهاية لهذا النموذج الاقتصادي الفاشل، لكن بدلاً من ذلك، جرى تحميل عامة الناس كلفة إنقاذه، من خلال تقويض الخدمات الاجتماعية وتفكيكها.
ومن الواضح أن المسار الذي قد يقود إليه هذا السقوط الفوضوي يثير مخاوف كبيرة. فقد أصبحت بعض السلوكيات التي كانت توصف في السابق بأنها انحطاط أخلاقي تعامل الآن باعتبارها أموراً طبيعية إلى حد كبير.
لكن هناك مساراً آخر مطروحاً أيضاً، يتمثل في أن يقدم اليسار رؤية مختلفة للأزمة، تقوم على أن السعي المحموم وغير المحدود وراء الثروة والسلطة من جانب النخب الغربية، في الداخل والخارج على حد سواء، هو أحد الأسباب التي أوصلت المجتمعات الغربية إلى وضعها الراهن.
أوين جونز*
كاتب في صحيفة «الغارديان»
. كتاب «سقوط الغرب: كيف خسروا حقاً» يتناول ترويج النخب الغربية لنموذج اقتصادي يقوم على تركيز الثروة في أيدي قلة.
. الكتاب يشير إلى تجاهل الغرب تحذيرات سابقة من أشخاص توقعوا حدوث أزمة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news