مخاوف من اختراق «القاعدة» الجيش

باكستان أمام تحدّيات مؤلمة لمواجهة التطرّف

أنصار الجماعة الإسلامية يتظاهرون في كراتشي لإطلاق قادري قاتل حاكم إقليم البنجاب. إي.بي.إيه

تعد زيارة نائب الرئيس الأميركي، جو بايدن، إلى باكستان الأكثر أهمية منذ أن اصبح نائباً للرئيس باراك أوباما، نظراً الى ان هذه الدولة تعيش ازمة على جميع الصعد العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ولطالما تعرضت باكستان للاضطرابات، ولكن اغتيال (حاكم إقليم البنجاب) سلمان تيسير، الذي يعتبر أكثر السياسيين الليبراليين شجاعة في البلد، سلّط أضواء جديدة وقاسية على هذه الاضطرابات. ولطالما ساد الاعتقاد بانه في نهاية المطاف فإن النخبة الحاكمة في باكستان ستكون في السلطة، وجيشها لن يسمح بانهيار الدولة، كما ان ترسانتها النووية ستظل في أمان، ولكن بعد ما حدث في الاسبوع الماضي تزعزعت الثقة بشدة في هذا الاعتقاد.

وتتجلى السمة الاكثر اثارة للرعب في عملية اغتيال تيسير، انه تم تنفيذها من قبل احد حراسه، الذي ينتمي الى افراد النخبة من الشرطة المدربين بصورة خاصة لمحاربة الارهاب. وأبلغ منفذ الاغتيال، واسمه ممتاز قادري، زملاءه بانه سيقتل الحاكم، والغريب أن احداً لم يحاول منعه من تنفيذ عمله او التبليغ عنه. ووقف الحراس الباقون يشاهدون زميلهم وهو يقتل الحاكم بـ20 رصاصة، وبعد ذلك رمى سلاحه بمنتهى الهدوء.

وقالت التقارير الصحافية إن آراء قادري المتطرفة كانت معروفة من قبل رؤسائه، وإنه تم ابلاغ السلطات العليا بذلك، ولكنه بقي في عمله.

وهذا ليس أول هجوم يؤكد النظرية التي مفادها ان الجهاديين يخترقون الجيش الباكستاني، الذي أدى دعمه المتواصل لفترات طويلة للميليشيا الاسلامية، الى ايجاد اشخاص مرعبين. وعندما كان برويز مشرف رئيساً لباكستان نجا من محاولتي اغتيال، إحداهما كانت على يد ايلياس كشميري، وهو قائد سابق في الجيش، تحول الى العمل في «القاعدة»، وتعتقد المخابرات الاميركية انه قائد ارهابي، مثل (زعيم تنظيم القاعدة) أسامة بن لادن. وفي عام ،2007 نفذ ضابط في الجيش الباكستاني عملية انتحارية ضد القوات الخاصة.

وما زاد الطين بلة انه بعد عملية الاغتيال بقي الليبراليون والمعتدلون على صمتهم لدرء غضب المتشددين. وأما حليف تيسير الوحيد في البرلمان شيري رحمن فقد اختفى عن الانظار.

وعلى الرغم من أن بعض السياسيين وحتى بعض الصحافيين أعلنوا جهاراً أن مقتل تيسير مبرر بسبب آرائه الليبرالية، إلا أن قلة من الباكستانيين أعلنوا تأييدهم له، وهذه هي أزمة المجتمع الباكستاني، إذ إن النخبة السياسية المنتخبة تنحني خوفاً من الاحزاب الاسلامية المتشددة التي لم تحصل إلا على نسبة ضئيلة من ناخبي العامة.

وكان تيسير سياسياً يتمتع بالشعبية والشخصية القيادية، في حين أن أعداءه لا يتمتعون بأية اصوات انتخابية، إلا انهم يحملون البنادق.

ومنذ بداية السبعينات، عندما رأى الدكتاتور في حينه، محمد ضياء الحق، ان الجيش يمكن ان يتمتع بالمزيد من الصدقية عندما يتحالف مع الاسلاميين المتشددين، قدمت المؤسسات السياسية تنازلات كثيرة أمام المتشددين.

وهناك ايضاً تحديات بايدن، وعليه ان يبلغ حكام باكستان بانها لحظة الحقيقة بالنسبة إليهم. وعليهم ان يتابعوا الهجوم لتخليص بلادهم من سرطان التعصب الديني. ويتعين على بايدن ان يوضح أن الولايات المتحدة ستقدم دعمها للحكومة المنتخبة، اي أولئك الذين يشجعون على الاعتدال والسلام، والمستعدين لمحاربة الارهاب. ومما لا لبس فيه ان النفوذ الاميركي في اسلام اباد كبير، وأن واشنطن لعبت دوراً بنّاءً في حشد الدعم للحكومة المدنية خلال الاسبوع الماضي.

ويعرب الجنرالات الباكستانيون عن احتجاجهم، ويؤكدون انهم يحاربون الارهابيين، والدليل على ذلك انهم يتعرضون لإصابات كثيرة. وهذا صحيح. ويدرك الجيش في أعلى مستوياته أن عليه أن يحارب الميليشيا الاسلامية، ولكنه يواصل التعامل بانتقائية مع الارهابيين، والتذبذب في تصميمه على قتالهم. ويظل مسكوناً بعمق المكتسبات الاستراتيجية في الخارج، في حين تحترق باكستان باللهب.

وأما حركة طالبان أفغانستان، فتوجد قيادتها في شمال منطقة وزيرستان المتاخمة لافغانستان. ورفض الجيش الباكستاني الهجوم على أي جماعة مرتبطة معه، متذرعاً بانه لا يريد توسيع رقعة الهجوم، بحيث ينتشر الجيش على مساحة كبيرة ويصبح هدفاً سهلاً.

وفي حقيقة الامر، فإن جنرالات الجيش الباكستاني لايزالون يعتقدون بان الطريقة الوحيدة للحصول على نفوذ في افغانستان تتم عبر علاقة مع «طالبان»، التي أقاموا معها شراكة منذ 20 عاماً.

وإذا لم تتمكن باكستان من وقف انحدارها السريع نحو الاسفل، فإن جهود الولايات المتحدة في افغانستان محكوم عليها بالفشل. وطالما ان حركة طالبان و«القاعدة» بقيتا في أمان، وتنعمان بالدعم في مخابئهما في باكستان، فإن التقدم في افغانستان سيبقى مؤقتاً. وتستطيع «طالبان» ان تنسحب بسهولة الى قواعدها الباكستانية، واذا انسحبت القوات الاميركية في وقت لاحق من العام الجاري، فإن الحركة ستعود وتعيد تسليح نفسها، ومن ثم تجديد حربها ضد حكومة كابول. وفي تلك اللحظة ستواجه الولايات المتحدة خيارين: إما ان تجبر على زيادة قواتها في افغانستان أو تواصل التقهقر في وجه «طالبان» التي تتصاعد قوتها.

طباعة