الأهالي رحبوا بالخطوة.. ورئيس مجلس البلدة عارض المشروع

جدل حول إقامة مقبرة إسلامية في ولاية نيـــويورك

بناء مسجد «غراند زيرو» في موقع هجمات سبتمبر كان بداية الجدل حول إنشاء مراكز إسلامية. غيتي

تشهد الأوساط الاجتماعية والدينية والثقافية في ولاية نيويورك خصوصاً والولايات المتحدة عموماً، جدلاً موسعاً حول فصل جديد من فصول ظاهرة الخوف من الإسلام أو (الإسلاموفوبيا)، فبعد مسألة إقامة مسجد ومركز إسلامي على مقربة من الطابق الأرضي لمركز التجارة العالمي في مدينة نيويورك، ها هو النقاش يتعالى حول مقبرة تعتزم حركة صوفية إقامتها في مركز سيدني في ولاية نيويورك.

وتقع المقبرة أسفل بستان على تلة، ودفن فيها أول مسلم قبل 82 عاماً.

وبدأ النزاع بين سكان البلدة قبل بضعة أشهر، لدى دفن ثاني شخص من المسلمين، ويسمى أمير سيلوسكي، ما حول سيدني التي يبلغ عدد سكانها 6000 نسمة إلى بؤرة اهتمام وجدل تزامن مع موجة الاحتجاجات التي عمّت مختلف الولايات والمدن الأميركية على المساعي الرامية إلى بناء مسجد ومركز إسلامي قرب الطابق الأرضي لمركز التجارة العالمي الذي دمرته هجمات 11 سبتمبر .2001

وتتبع المقبرة حركة صوفية في الولايات المتحدة، إذ يحرص قادتها وأعضاؤها، في تلك البلدة، على اتباع كل الإجراءات القانونية في ما يتعلق باستصدار التصاريح الرسمية الخاصة بدفن الموتى في تلك المقبرة، لكن ذلك لم يمنع رئيس مجلس البلدة، روبرت مكارثي، من وصف المقبرة بأنها «غير قانونية».

وقال إنه ما كان ينبغي دفن الموتى في ذلك المكان منذ البداية.

وقال ناطق باسم الجالية الصوفية في سيدني، إنها طلبت اعتذاراً من المسؤولين المحليين الذي تسرعوا في اتهامها بدفن الموتى من غير الحصول على التصاريح اللازمة، لكنها لا تتوقع الحصول على مثل ذلك الاعتذار.

وهاجم مذيع شبكة التلفزيون الأميركية «إم إس إن بي سي»، كيث أولبرمان، مكارثي، وهو رجل أعمال متقاعد، ووصفه بأنه « أسوأ شخص في العالم»، وان الأهالي يلاحظون مباشرة كيف ان سيدني تتحول إلى رمز قوي لـ«الإسلاموفوبيا» وتصبح رمزاً للجهل والانغلاق.

واتفق المحامي توم شيمرلينغ وهو نجل أحد الناجين من «الهولوكوست»، مع ما ذهب إليه اولبرمان، وقال إن ما يقوله مكارثي يثير الغضب والاشمئزاز، وإن «تحول بلدتنا إلى بؤرة مناهضة للإسلام والمسلمين أمر مثير للأسى»، وعرض تقديم خدماته القانونية للدفاع عن مطالب الصوفية بلا أتعاب، بينما قال آخر يدعى ريتشارد كولي، وهو تاجر مجوهرات، ان أهالي البلدة أحسنوا التصرف بردّ فعل جماعي قوي لتصحيح «خطأ».

وتم فتح حوار شامل لحل الخلاف بين ممثلي الصوفية ومجلس المشرفين على البلدة، الذي أسقط القضية، ليس هذا فحسب، بل طالب الطرفان بمحاسبة مكارثي على موقفه التحريضي المثير للانقسام.

كما احتشد أكثر من 150 من الأهالي أمام مقر مجلس البلدة بقيادة مكارثي، ورددوا هتافات مناهضة للأعضاء وتندد بموقفهم، وطالبوهم بتقديم الاعتذار إلى الصوفية.

وقالوا إن سيدني ستكون بؤرة للاهتمام مرة ثانية، ولكن كمثال منير ومشرف للتسامح والتفاهم، وقد بذل هانز هاس، وهو من اهالي البلدة، جهودا مكثفة ومتواصلة في خدمة قضية المقبرة، من خلال احاديثه لوسائل الإعلام، وعلى موقع التواصل الاجتماعي (فيس بوك)، وتوجيه الرسائل الى المسؤولين المحليين ومسؤولي الولاية، وحضور الاجتماعات المختلفة لاسيما تلك التي نظمتها حركة «مواطنون قلقون من اجل مجلس أكثر مسؤولية لسيدني»، ومطالباته بضمان حرية الحصول على المعلومات، وحق الأهالي في حرية انسيابها وتدفقها، إضافة الى خطاباته الموثرة في اللقاءات والتجمعات، وردوده الهادئة بالحجة والمنطق، وحقائق القانون على موقف مكارثي.

وحظيت جهود هاس بالتقدير الكبير من المسلمين وممثليهم، لاسيما أن هاس وجه يتمتع بشعبية كبيرة في سيدني، من خلال أدواره ومهماته المتعددة، فهو رئيس فريق سيارات الإسعاف، ومتطوع في فريق الإطفاء، ومقاول للأسقف وتدعيمها وتحصينها ضد الشتاء والثلوج والبرد، ويسوقف كل رجل أو امرأة ليستفسر عن أحواله أو أحوالها وشؤون أسرته أو أسرتها، ما جعل منه قائداً محلياً، ودفع كثيراً من الأهالي الى حثه على الترشح ضد مكارثي في الانتخابات المقبلة. وعبر هاس عن ضيقه واستيائه الكبيرين إزاء تعليقات وصلت الى مسامعه تقول إن جميع المسلمين إرهابيين، وإن الصوفيين يعلقون صور الرئيس باراك أوباما وزعيم «القاعدة»، أسامة بن لادن في مركزه، وإن البلدة ستكون أفضل حالاً، وتشهد تقدماً أفضل لو أنهم أخذوا رفات موتاهم من تلك المقبرة ورحلوا تماماً. وهناك مدافعون كثيرون عن مكارثي يسردون إنجازاته ويمتدحون إنفاقه على المدارس والمستشفيات والطرق وغيرها من الخدمات والمرافق العامة، بينما لا يبدي فريق ثالث الكثير من الاهتمام بقضية المقبرة الإسلامية في سيدني، ويعتبرها مجرد حلقة في سلسلة امور مزعجة، ابتداء من الكساد والأزمة الاقتصادية الحالية، إلى الفيضانات والثلوج التي ضربت ولاية نيويورك في .2006 واستقر عدد من المسلمين الصوفيين في سيدني أواخر ،2001 وأنشأوا مزرعة ضخمة لتربية الأغنام، وما لبثوا أن قاموا بتحويل مخزن ضخم فيها إلى مسجد، وافتتح كبيرهم، الشيخ عبدالكريم القبرصي، المركز الإسلامي فيها عام ،2002 بعد ان كان قد انتقل إليها من مدينة نيويورك.

ويقول الشيخ القبرصي «إن ما يحدث هنا في سيدني صورة مصغرة عما يمكن ان يتحقق في العالم، وهو التعايش المشترك والتفاهم بين المسلمين وغيرهم، في أمن وسلام وتسامح، ويعني ان أميركا ليست مرتهنة لظاهرة الخوف من الإسلام»، لكن مسلمين آخرين يسمعون تعليقات عنصرية ومتطرفة مثل «متطرفون، وإرهابيون، عودوا إلى بلادكم الأصلية»، ويقولون إنهم يتحملون نصيباً كبيراً من استدعاءات الشرطة لهم، للتحقيق معهم، واللحية الطويلة أو العمامة تكفيان للاتهام أو الاشتباه. ويقول عدد من أبناء البلدة، إن التغيير قد تم وانتهت قضية المقبرة، ولكن الأمر سيستغرق بعض الوقت حتى تعود الأمور إلى طبيعتها.

ولا يخفي مكارثي، الذي يقضي وقتاً طويلاً في حانته المفضلة في نادي سيدني للغولف، ارتياحه حينما لا يشاهد المسلمين أو المتظاهرين والرافضين لموقفه، ولا يجد من يصفه بالمتعصب. ويقول «لا يمكنك فعل شيء امام حقيقة أنهم مسلمون، وان وسائل الإعلام بالغت في تضخيم قضية المقبرة»، مشيراً إلى انه يرفض الاعتذار عما صدر عنه من تصرفات أو أقوال، ويؤكد انه يقوم بمهام عمله الرسمي على أساس الشفافية والمسؤولية، لكن هاس يسخر من شفافيته ويتهمه بعقد اجتماعات سرية لمجلس البلدة.

طباعة