الاحتراق الوظيفي.. حين ينطفئ الشغف

مؤسس سهيل للحلول الذكي

محمد سالم آل علي

كنت أظن أن الموظف يحترق لأنه يعمل كثيراً، اكتشفت أن الحقيقة عكس ذلك تماماً، الموظف يحترق لأنه مُنع من أن يعمل، قبل أيام، جلست مع شاب طموح، كان قبل عامين نجم الإدارة، صاحب أفكار ومبادرات. اليوم، يجلس أمامي منطفئاً يقول لي جملة واحدة تلخص كل شيء: «أنا لا أذهب للعمل، أنا أذهب لأثبت أنني مازلت على قيد الوظيفة».

هذه ليست حالة فردية، هذه هي الظاهرة التي تسميها منظمة الصحة العالمية «الاحتراق الوظيفي»، لها ثلاثة أعراض: جسد مرهق حتى قبل أن يبدأ الدوام، وعقل ساخر يقول «ما الفائدة؟»، وقلب يشعر أنه لم يعد ينجز شيئاً ذا قيمة، نحن نبحث عن الأسباب في المكان الخطأ، نلوم الموظف ونقول له «نظم وقتك، مارس الرياضة، كن سعيداً»، والحقيقة أن هناك قاتلين للشغف في مكاتبنا لا نتحدث عنهما بصراحة.

القاتل الأول: المدير النرجسي الذي لا يريد موظفين، يريد جمهوراً يصفق له، إذا نجحت قال «أنا من وجهته»، وإذا فشلت قال «أنا حذرتكم منه»، يخاف من المبدع فيحاربه. دراسة بريطانية وجدت أن العمل تحت مدير نرجسي يرفع هرمون التوتر 40%، المشكلة أننا نكافئ هذا النرجسي ونراه حازماً، قوياً، منضبطاً. ولا نرى الموظفين من تحته وهم يحترقون بصمت، يقضون 70% من وقتهم في محاولة تجنب غضبه، و30% فقط في العمل الحقيقي.

أما القاتل الثاني فهو البيروقراطية، فإذا كان النرجسي يطعنك في القلب، فالبيروقراطية تخنق عقلك، عندك فكرة توفر مليوناً؟ نحتاج لجنة، واللجنة تحتاج دراسة، والدراسة تحتاج توقيعات عدة، وبعد أشهر، يأتيك الرد: الفكرة جيدة لكن لا تتماشى مع الإجراءات. هنا يتعلم الموظف الذكي درساً قاسياً: لا تبدع، فالإبداع مخاطرة، والمخاطرة مساءلة، الأفضل أن تختم معاملتك وتسكت، فتتحول المؤسسة من مصنع أفكار إلى مقبرة أفكار.

ما الحل إذن؟ الحل ليس في دورات «إدارة الضغوط»، ولكن في إدارة تقيس الاحتراق قبل أن تقيس الحضور، وعلى كل مؤسسة أن تسأل: كم مديراً عندنا يشتكي منه أكثر من 3 موظفين؟ هذا ليس مديراً، هذا عبء، وعليها أن تفتح مساراً سريعاً للأفكار، الناس لا تترك المؤسسات، بل تترك المديرين.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

تويتر