رو مو هيون: فاسد مرهف الحس

انتحر الرئيس الكوري الجنوبي السابق، رو مو ـ هيون، السبت الماضي، بعد أن ألقى بنفسه من منحدر شاهق على خلفية فضيحة رشا، مخلفا وراءه عبارات يؤكد فيها أنه تسبب في معاناة لناس كثيرين، وأن الأمر كان صعبا عليه للغاية.

نشأ هيون في عائلة قروية فقيرة رجلا عصاميا، علّم نفسه بنفسه ليصبح محاميا في مجال حقوق الإنسان، على الرغم من أنه لم ينتسب لأي كلية من الكليات، واستطاع أن ينجح عام 1975 في امتحان المعادلة القاسي الذي تضعه الجهات الرسمية في بلاده .

واكتسب سمعة طيبة في هذا المجال، ودافع عن الطلبة الذين اتهموا بالتحريض على العصيان، من الحكومة السابقة المسنودة من العسكر، وتعرض ذات مرة للاعتقال وتعليق رخصته القانونية، بعد أن ساند احتجاجا عماليا حظرته السلطات. واشتهر في بلاده بالصراحة، إلى درجة أنه اعترف مرة بأنه كان يجلد زوجته، بيد أنه كثيرا ما يأخذ الانتقادات الموجهة إليه بشكل شخصي . ويصفه بعضهم بعدم الخبرة والتصادم، لكنهم وصفوه أيضا بالقائد المتواضع غير المتحيز الذي يجاهد نحو الإصلاح السياسي، ويكافح الفساد.

وآذن انتخابه رئيسا لكوريا الجنوبية بمجيء جيل جديد للسلطة، أطلق عليه«جيل 386»، وهو ذلك الجيل من القادة في الثلاثينات من أعمارهم الذين دخلوا الجامعات في ثمانينات القرن الماضي، وولدوا في ستيناته، وهو أيضا الجيل الذي شهد الاحتجاجات ضد الحكم التسلطي، واختط لنفسه نهجا وطنيا يبتعد عن الولايات المتحدة واليابان ويقترب من كوريا الشمالية.

نظم رو مو هيون حملته الانتخابية تحت شعار«السيد نظيف»، مبرئا نفسه من السباحة في بحور الفساد التي يسبح فيها نظراؤه من السياسيين، ليصبح أكثر رؤساء كوريا الجنوبية ميلا لليسار بين 2003 و.2008 كان يحبذ التقارب مع كوريا الشمالية، وكثير الانتقاد لسياسة الولايات المتحدة حيال شبه الجزيرة الكورية. كسب الانتخابات الرئاسية في ،2002 وتعرض في مارس 2004 للمساءلة الجنائية، حول اتهامه بانتهاك قانون الانتخابات وسوء إدارة الاقتصاد، وتلقيه تبرعات غير قانونية خلال حملات الانتخابات، واضطر للتنحي عن الرئاسة لفترة وجيزة، ليعود رئيسا لبلاده مرة أخرى في مايو، بعد أن برأته المحكمة الدستورية من التهم.

إلا أن «السيد نظيف» خضع الشهر الماضي لتحقيق من المدعين العامين حول دعاوى بتلقيه، هو وأخيه وزوجته وابنه، رشا من رجل أعمـال يسـمى بارك يون ـ تشا قدرت قيمتها بـ 3.8 ملايين إسترليني، ويعتبر الانتحار في كوريا الجنوبية وسيلة مقبولة ثقافيا، للهروب من الفشل أو الامتهان.

وكانت محكمة قد جرمت في العام 1997 الرئيسين السابقين، شين دو ـ هوان وروه تاي ـ ووه، بتلقي مئات الملايين من الدولارات على شكل رشا خلال فترتيهما الرئاسية، لكن الاتهامات ضد رو كانت صعبة للغاية، لأنه نصب نفسه مكافحا ضد الفساد، وبنى لنفسه سمعة طيبة في هذا المجال. ويقول عنه مؤلف كتاب «الكوريون»، مايكل برين، إن « الفاسدين حقا يمكنهم التعايش مع فسادهم، بيد أن رو كان شخصا مجاهدا، لا يستطيع التعايش مع حقيقة كونه فعل شيئا خاطئا، فالمجرمون يتعايشون مع جرمهم، لكنه كان رجلا أمينا».

طباعة