الحرب الإسرائيلية أبادت عائلات بأكملها

عائلة من عزبة عبدربه استشهد عائلها وتهدّم منزلها. الإمارات اليوم

كثيرة هي قصص الموت «بالجملة» التي راح ضحيتها مئات المدنيين الفلسطينيين، فقد أبادت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة وعلى مدار 22 يوماً متواصلة عائلات بأكملها، حيث أمعن الجيش في حرق غزة وقتل الأبرياء، وشتت عائلات أخرى فقدت بعض أفرادها شهداء، وباتت بلا مأوى، كما حرم عدد كبير من الأطفال ممن يحتضنهم بعدأن غابت عائلاتهم عن الحياة.

وتدحض هذه الحقيقة المرة وقصص «الموت بالجملة» ادعاء الجيش الإسرائيلي بأن هدف حربه هو تدمير البنية التحتية للفصائل الفلسطينية المسلحة، ومنع إطلاق الصواريخ على البلدات الإسرائيلية المجاورة، لكن النتيجة كشفت أن ضحاياها هم الآلاف من المدنيين، فقد بلغ عدد ضحايا العدوان من النساء والأطفال 43٪ من عدد الشهداء.

دلال وحيدة
في الساعة الواحدة فجراً في 6 من الشهر الجاري كانت عائلة الطفلة دلال أبو عيشة (13 عاماً) على موعد مع الموت، حيث سقط صاروخ من طائرة حربية إسرائيلية على منزلها المكون من ثلاثة طوابق في مخيم الشاطئ للاجئين غرب مدينة غزة، ليفتك بروح والديها وأشقائها الأطفال الثلاثة محمد وسيد وغيداء، أما هي فشاءت الأقدار أن توجد برفقة جدتها في بيت عمتها التي فقدت هي الأخرى طفلتها خلال الحرب، لتكون الناجية الوحيدة من عائلتها.

وقالت الطفلة دلال لـ«الإمارات اليوم» وهي في بيت جدتها والدة أمها حيث لم يعد لها منزل يؤويها: «استشهدت ابنة عمتي الطفلة ربا، وبعد يومين أخذتني جدتي لأزورها، وقد حل المساء، واشتد القصف على غزة، فلم نتمكن من أن نعود الى المنزل، وقررنا أن نبات في منزل عمتي، وفي صباح اليوم التالي اتصلت جدتي أم حاتم بجدتي لوالدي حيث مازلنا في منزل عمتي وأخبرتها بذلك».

وأضافت بعد أن ذرفت عيونها دمعاً: «صرخت وبكيت، فقد أصبحت يتيمة بلا أب ولا أم، ووحيدة من دون أشقاء أكبر معهم، وألعب برفقتهم، ولم يبق لي إلا قطتي، التي رفضت أن تأتي معي إلى منزل جدتي، وبقيت في منزلنا لم تفارقه على الرغم من أنه تهدم وأصبح جزءاً من الماضي».

وأضافت: «تهدم منزلنا بشكل كامل على رؤوس أبي وأمي وأشقائي، ودفن أسفل أنقاضه كل شيء كان بداخله، حتى أدواتي المدرسية وزي المدرسة أصبحت جزءاً من الماضي».

واستطردت دلال الحزينة لفراق عائلتها قائلة: «رحل والدي وأشقائي، ورحلت الفرحة معهم، فأكثر شيء كنت أحبه معهم عندما كنا نخرج في شهر رمضان المبارك والأعياد والمناسبات عند أقاربنا، وعندما كانوا يأتون إلينا».

ولفتت دلال إلى أن منزل عائلتها تم قصفه من دون سابق إنذار من القوات الإسرائيلية لهم، نافية أن يكون أحد من عائلتها أو أقاربها الذين يقطنون في المنزل لهم علاقة بفصائل المقاومة.

وبينت جدتها أم حاتم أنها لم تتمكن من العودة إلى المدرسة في الوقت الحالي رغم عودة الدراسة بعد انقطاع دام أقل من شهر، وذلك حتى تتمكن من شراء زي مدرسي وأدوات دراسة بدلاً من التي تحطمت جراء القصف.

23 فرداً رحلوا
وودعت عائلة الداية 23 فرداً شهداء من منزل واحد، بعد أن سقط عليهم صاروخان من طائرة حربية وهم نائمون في منزلهم بحي الزيتون في الجنوب الشرقي لمدينة غزة، فقد رحل الأب فايز الداية (62 عاماً)، وزوجته أم نافذ (58 عاماً)، وابنته رغدة (33 عاماً)، وصابرين (24 عاماً)، وابنه إياد (37 عاماً) وزوجته وأطفاله الستة أصغرهم محمد البالغ من العمر شهرين، وابنه رامز (25 عاماً) وزوجته وطفلاه، وزوجة ابنه عامر الناجي الوحيد، وقد استشهدت وهي حامل بالإضافة إلى أطفالها الأربعة، كما استشهد ابنه الثالث رضوان (22 عاماً).

ونجا من العائلة أربعة أفراد، وهم عامر الذي يعتبر الناجي الوحيد حيث كان يوجد ساعتها في المنزل، بينما رضا لم يكن موجوداً في البيت، أما محمد فكان في المسجد، والرابع هو نافذ الذي كان هو وعائلته في منزل آخر.

وقال سمير الداية شقيق أبو نافذ «لقد كان أحد المنازل المجاورة لمنزل أخي مهدداً بالقصف، فخرجوا من منزلهم لأيام عدة، وعادوا لأنه لم يحدث شيء، ولكن في الساعة الأولى لصباح يوم الثلاثاء 6-1-2009 سقط صاروخان من طائرة حربية من طراز 16 F على منزلهم المكون من أربعة طوابق، ليفتك بأرواحهم جميعاً، ويحرق أجسادهم ويقطعها أشلاء، فقد أخرجناهم من بين الأنقاض بصعوبة كبيرة، واستغرقنا يوماً كاملاً حتى المساء ونحن نخرج بأشلائهم رحمة الله عليهم».

وأضاف: «ووجدنا في منزل مجاور لمنزل أخي كف زوجة ابنه فيها «خاتم الزواج»، وعثرنا بين الأنقاض على أصابع قدمين حاولت أن تهرب بصاحبها ولكنها انفصلت عن الجسد، أما الأطفال فغالبيتهم تمزقت أجسادهم ودفنت تحت الأنقاض من شدة القصف الجوي الذي استهدف منزلهم».

30 شهيداً
أما عائلة السموني الذي أمعن الجيش الإسرائيلي بقتلها، بعد أن حاصر 100 من أفرادها في محيط منازلهم بحي الزيتون في الجنوب الشرقي لغزة، ففقدت 30 شهيداً جلهم من الأطفال، وأصيب البقية بجروح متفاوتة، وقد تم انتشال ما يقارب 13 شهيداً منهم فترة الحرب، وبعد أن انتهت وانسحب الجيش من المنطقة التي كان يتوغل فيها تم العثور على البقية، حيث كانوا جثثاً مقطعة ومحترقة.

وفقدت ميساء السموني (25 عاماً) زوجها توفيق الذي استشهد أمام عينها بداية التوغل البري، وأصيبت هي وطفلتها جمانة (تسعة أشهر)، إضافة إلى ما يقارب 50 من أفراد العائلة، كما فقد شقيق زوجها موسى (19 عاماً)، والديه واثنين من أشقائه، وثلاثة من أبناء عمه شهداء، فقد عثر على جثامينهم محترقة ومقطعة تحت الأنقاض بعد وقف الحرب.

وباتت شيرين التي لم يتجاوز عمرها 11 عاماً بمثابة الأم والأخت والراعية لخمسة أطفال، أصغرهم الرضيع أحمد (10 أشهر)، بعد أن قتلت إسرائيل والدتها وعدداً كبيراً من أقاربها أمام عينها.

الموت بالجملة
«حرموني من مهجة قلبي، كم تمنيت أن أراهما عروستين بفستان الفرح، عاهدت نفسي أن أربيهما أفضل تربية واجعلهما من حفظة القرآن، ولكن حلمي تبدد كسراب»، هذا ما كانت تتمناه والدة الطفلتين «هيا» و«لما» حمدان اللتين لم تتجاوزا عامهن السادس، خطفتهما قوات الاحتلال وهما تلعبان كعادتهما مع أشقائهما معاذ وأنس تحت شجرة الزيتون الموجودة في ساحة المنزل، ولكن لم تكن هيا ولما تعلما أن يوم الأربعاء هو الأخير من العام المنصرم سيكون أيضاً آخر يوم تلعبان به لعبة البنانير لأن الحقد الإسرائيلي كان لهما بالمرصاد.

وتقول والدتهما أم معاذ: «كنت أعد الفطور لأطفالي عندما سمعت صوت انفجار قوي هز المنزل بالكامل واعتقدت أنه في الخارج، وعندما ذهبت إلى ساحة البيت تفاجأت بأن ابنتي «لما» ملقاة على الأرض والدماء تملأ ملابسها، فحملها والدها مسرعاً إلى المستشفى».

وتتابع قولها: «ولم نلاحظ أن أختها هيا هي الأخرى مصابة إصابة مباشرة بالرأس ومن هول الانفجار ولصغر حجم جسمها تناثرت جثتها في الهواء لتستقر أشلاؤها المقطعة في مكان مزوي على شكل دماء».

وتساءلت الأم قائلة: «هل لما وهيا كانتا تطلقان عليهم الصواريخ حتى يقصفوهما؟».

وفي فجر الثامن من الشهر الجاري قصفت الطائرات الحربية منزل المواطن فايز محمد صالحة، المكون من طابقين في بلدة بيت لاهيا شمال القطاع، مما أدى إلى استشهاد سبعة أفراد من العائلة وهم يحاولون الفرار من المنزل بعد أن أطلقت طائرة استطلاع صاروخاً تحذيرياً قبل ست دقائق من قصف المنزل بصاروخ 16 F.

والشهداء هم: فايز صالحة، زوجته رندة (33 عاماً)، وأطفالها: ضياء الدين (14 عاما)، ورنا (12 عاماً)، وبهاء الدين (أربعة أعوام ونصف)، ورولا (عام واحد)، وشقيقة زوجته فاطمة الحو (22 عاماً).

وذاقت عائلة عبدربه التي تقطن في عزبة عبدربه شرق بلدة جباليا شمال القطاع، ويلات الحرب على أكثر من وجه، فقد تهدمت جميع منازلها بشكل كامل، وأبيد سبعة أفراد من العائلة في وقت واحد، حيث كانوا متوجهين إلى أحد محال البقالة للتزود بالمواد الغذائية خلال الثلاث ساعات التي كانت تعلن عنها إسرائيل بأنها فترة هدنة، لتسقط عليهم قذيفة دبابة أودت بحياتهم على الفور.

والشهداء هم :
رندا جمال عبدربه (45 عاماً) وابنها سفيان عبدالحي عبدربه (21عاماً)، ومصطفى ربحي حسن عبدربه (14 عاماً)، وسامي محمد صالح عبدربه (27 عاماً)، وصامد محفوظ عبدربه (13عاماً)، ويسري محمود عبدربه (15 عاماً) ورامز جمال عبدربه (32 عاماً).

طباعة