إنها حرب ضد الأطفال

أطفال غزيون في مدرسة لـ«الأونروا» أملاً في تحاشي القصف الإسرائيلي.

تعتبر الهجمة الإسرائيلية العسكرية الأخيرة على غزة «حرباً على الأطفال» بسبب ضحاياها الذين يشكل الأخيرون أكثر من ثلثهم، كما تشير أرقام الامم المتحدة الى إصابة اكثر 1550 طفل بجروح وهذه ارقام كبيرة للغاية بكل المعايير الانسانية والعرقية.

ويكفي مجرد إلقاء نظرة على الصور القـادمـة من مـستشـفى الشفاء، لمعرفة مدى خطورة الحروق والجروح في أجساد أطفال، حيث استشهدوا وهم ينزفون، أو وهم راقدون على اسرتهم.

ويعج التاريخ بعدد من الحروب الوحشية التي حصدت أعدادا لا تحصى من الارواح لكن الذاكرة التاريخية الحديثة لا تتضمن حرباً، زاد فيها عدد الضحايا من الاطفال على اكثر من ثلث اجمالي الخسائر البشرية، وإذا كانت الرحمة لم تبلغ اطفال غزة في حضاناتهم ومدارسهم، فإن «جيش الدفاع» الاسرائيلي لم يرحمهم كذلك، فهكذا تسير الامور حينما يكون مسرح الحرب رقعة محدودة ذات كثافة سكانية كبيرة، لاسيما أن اكثر من نصف سكان القطاع هم دون الخامسة عشرة.

لم يذهب طيار أو جندي واحد الى هذه الحرب لقتل الأطفال أو كانت لديه النية لفعل ذلك لكن لم يفعل أحد شيئا لتجنب قتلهم، وقد بدت الامور كان هؤلاء الطيارون والجنود لديهم النزعة لذلك، وذهبوا الى الحرب بعد ان قتل الجيش الاسرائيلي 952 من الاطفال الفلسطينيين منذ مايو 2000.

وتبدو صدمة الشعوب تجاه هذه الارقام الهائلة من الاطفال الضحايا متصاعدة وغير معقولة، ولا أظن أن 1000 من خبراء الدعاية والاعلام والعلاقات العامة وخبراء التجميل وفنون الاعـتذار قـادرون عـلى تقديم تبرير أو عذر لهذا القتل الاجرامي.



وقد يلقي بعضهم باللوم على حركة المقاومة الإسلامية «حماس» في موت الاطفال، لكن لا يمكن لأحد يتمتع بقدر من المنطق شراء هذه الفكاهات الباعثة على السخرية وهذه البضاعة الدعائية الكاذبة، في ضوء استمرار تدفق الاحصاءات من مختلف مناطق قطاع غزة.

وقد يذهب احد الى القول ان عناصر «حماس» يختبئون وسط الكثافة السكانية، كما لو ان «وزارة الدفاع» الاسرائيلية في تل ابيب ليست واقعة في قلب كثافة سكانية مدنية، وكأن هناك مناطق في القطاع ليست وسط المدنيين، وقد يزعم آخر ان مسلحي «حماس» يستخدمون الاطفال كدروع بشرية وكأن منظماتنا الصهيونية التي قاتلت في السابق لاقامة الدولة لم تستخدم الاطفال او تجندهم .

من الواضح، ان اغلبية كبيرة من اطفال غزة لم تمت لأن مقاتلي «حماس» استخدموها كدروع او لأنها تعمل من اجلهم ولمساعدتهم بل قتل هؤلاء الاطفال لأن «جيش الدفاع» اطلق النار عليهم وعلى اسرهم وقصف منازلهم وهم فيها، وهذا ما يفسر مصدر وسبب ما تحمله ايادينا من دماء وليس ما تحمله ايادي مقاتلي «حماس».

ولا شك في ان اطفال غزة الذين سيبقون على قيد الحياة سيتذكرون هذه الحرب بقوة، ويكفي ان تشاهد فيلم «أرناس تشيلدرن» لجوليانو مير خميس، المولود في الناصرة لتفهم ان النجاحات التي حققناها انما جاءت من قلب ما سفكناه من دماء وما خلفناه من دمار وخراب، حيث يتحدث الفيلم عن اطفال جنين في الضفة الغربية، الذين عاشوا رعبا أقل مما عاشه اطفال القطاع وتعرف كيف شب هؤلاء الاطفال ليصبحوا مقاتلين وفدائيين استشهاديين، فالطفل الذي شهد بأم عينه قتل أخيه واهانة ابيه وتعذيبه وامتهانه وتدمير بيته لايمكن ان يغفر او يسامح.

كانت آخر مرة تم السماح لي فيها بزيارة غزة، كانت في نوفمبر 2006، حيث ذهبت الى حضانة انديرا غاندي للاطفال في بيت لاهيا، وقد رسم الاطفال ما كانوا شاهدوه في اليوم السابق ثم سقط صاروخ إسرائيلي على حافلتهم المدرسية، ليقتل معلمتهم نجوى حليف امام اعينهم ليغرقوا جميعا في صدمة وقد يكون عدد منهم او معظمهم قد قتل او اصيب في هذه الحرب.


جدعون ليفي

طباعة