الأميرال الأميركي جيمس ستافريديس:

التقارب الصيني الروسي خطر جديد يهدد النفوذ الأميركي في العالم

صورة

أثناء الحرب الباردة في النصف الثاني من القرن الـ20، لم يكن هناك تعاون كبير بين الاتحاد السوفييتي الذي يقود الكتلة الشيوعية في العالم، والصين التي يحكمها نظام حكم شيوعي أيضاً، وكان السوفييت، الذين ورثهم الروس بعد انتهاء الحرب الباردة، أكثر تقدماً تكنولوجياً وأقوى عسكرياً من الصين، وأشد رغبة في فرض أيديولوجيتهم على الآخرين. في ذلك الوقت كانت الصين تركز بشكل أساسي على الداخل وتكافح، وهو ما نجحت فيه بعد ذلك، لإخراج معظم سكانها من دائرة الفقر وبناء اقتصاد يمكنه دعم هذه الأهداف، وبحلول أوائل ستينيات القرن الـ20، حدثت القطيعة بين القوتين الشيوعيتين.

وبحلول تسعينيات القرن الـ20، تغير العالم وانتهت الحرب الباردة وانهارت الكتلة الشيوعية وتفكك الاتحاد السوفييتي وورثت بقاياه روسيا الاتحادية، ولم تعد الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون يشعرون بوجود مخاطر حقيقية تهدد مصالحهم الاستراتيجية، لكن تسارعت وتيرة التقارب بين موسكو وبكين خلال العقود الأخيرة حتى تجسد في الدعم الصيني القوي للتدخل الذي قادته روسيا أخيراً لإنهاء الاحتجاجات الشعبية في كازاخستان المجاورة. ويتساءل المحلل الاستراتيجي الأميركي، جيمس ستافريديس الأميرال المتقاعد في البحرية الأميركية، عن مدى جدية هذا التقارب بين روسيا والصين وما إذا كان ينطبق على الولايات المتحدة وحلفائها من الدول الديمقراطية.

يقول ستافريديس، القائد السابق في قوات حلف شمال الأطلسي (ناتو)، في تحليل نشرته وكالة بلومبرغ للأنباء، «إن روسيا والصين تشتركان في وجود نظام حكم سلطوي قديم وأيديولوجيا شيوعية. كما أنهما تعارضان بشكل عام أي تحرك دولي يسمح بالتدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة ذات سيادة، وخصوصاً عندما يتعلق الأمر بانتهاكات حقوق الإنسان في هذه الدولة. وقد أكد الرئيس الصيني شي جينبينغ لنظيره الروسي فلاديمير بوتين معارضة الصين القوية لأي محاولة من جانب قوى خارجية لإشعال الإضرابات والتحريض على «الثورات الملونة» في كازاخستان. وفي مجلس الأمن الدولي تستخدم الدولتان بشكل عام حق النقض (فيتو) ضد القرارات التي تستهدف أنظمة حكم متهمة بانتهاك حقوق الإنسان من سوريا إلى فنزويلا وميانمار».

ويقول ستافريديس، عميد كلية فيليتشر للحقوق والدبلوماسية بجامعة تافتس الأميركية، «إن الصين وروسيا مهتمتان بإقامة مؤسسات دولية جديدة تكون بديلة للمؤسسات التي قادتها الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية والمعروفة باسم مؤسسات بيرتون وودز وتشمل صندوق النقد والبنك الدوليين».

ومن المؤسسات الدولية الجديدة التي أسستها روسيا والصين منظمة الأمن الجماعي التي تضم ست جمهوريات سوفييتية سابقة، والتي تم في إطارها التدخل الأخير للتصدي للاحتجاجات الشعبية في كازاخستان، ومنظمة شنغهاي للتعاون والشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة، وهي تجمّع للتجارة الحرة يضم عدداً من الدول الآسيوية إلى جانب الصين. كما شهدت العلاقات العسكرية الصينية الروسية تقارباً واضحاً، حيث نفذت الدولتان عام 2018 أكبر مناورات عسكرية منذ انتهاء الحرب الباردة على الحدود بين روسيا والصين، باسم «فوستوك 2018». شارك في هذه المناورات أكثر من 300 ألف جندي روسي وصيني وحوالي 40 ألف مركبة و80 سفينة حربية وآلاف الطائرات والمروحيات والطائرات المسيرة بدون طيار. وحضر المناورة كل من شي وبوتين.

كما تنفذ السفن الحربية الروسية والصينية تدريبات مشتركة ليس فقط في شمال المحيط الهادئ، كما يتوقع الكثيرون، وإنما تمتد إلى شرق البحر المتوسط وشمال المحيط الأطلسي وبحر البلطيق، في قلب أوروبا. وأعلنت الدولتان عن التعاون في مجال الفضاء بهدف إنشاء محطة مأهولة على سطح القمر.

ومن الطبيعي أن هناك مجالات خلاف وتنافس بين روسيا والصين. فالدولتان لا تتفقان بشأن التعامل مع مشكلة التغير المناخي على سبيل المثال، حيث تتبنى الصين موقفاً أكثر تقدمية لخفض الانبعاثات الكربونية، في حين تسعى روسيا إلى ربط الجمهوريات السوفييتية السابقة في آسيا الوسطى بها، وتسعى الصين إلى توسيع علاقاتها الاقتصادية والأمنية مع العديد من تلك الجمهوريات. وفي أعقاب الانسحاب الأميركي من أفغانستان، تضغط الصين بقوة من أجل لعب دور مؤثر فيها، في حين لا تبدي روسيا حماساً كبيراً للتورط في أفغانستان نظراً لتجربتها التاريخية السيئة هناك.

ولكن ستافريديس، يرى أن روسيا والصين تتكاملان من الناحية الجيوسياسية، فالصين هي أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، لكنها تفتقد إلى الموارد الطبيعية الحيوية مثل النفط، كما تمتلك اقتصاداً قوياً ومتنوعاً ونفوذاً قوياً في شرق آسيا ودول جنوب الصحراء الإفريقية. في المقابل تعاني روسيا انكماش عدد سكانها وتمتلك موارد ضخمة من الغاز الطبيعي والنفط، واقتصاداً غير متنوع ونفوذاً قوياً في أجزاء من أوروبا وآسيا الوسطى والقوقاز. لذلك فالدولتان تشكلان معاً ثنائياً بالغ القوة والتأثير.

ويعتبر هذا التقارب الروسي الصيني أمراً خطيراً ومثيراً للقلق من وجهة نظر الولايات المتحدة والغرب بشكل عام، وسيزداد القلق إذا ما قرر بوتين وشي زيادة تنسيق السياسات وتقاسم القواعد العسكرية وتقديم التنازلات الاقتصادية وتبادل التكنولوجيا العسكرية مثل الصواريخ الأسرع من الصوت والأسلحة الفضائية.

ويقول ستافريديس، في ختام تحليله، «إن التقارب الصيني الروسي سيكون له تأثيره القوي على العديد من القضايا التي تواجه المجتمع الدولي، بدءاً من قضيتي تايوان وأوكرانيا، حتى قضايا حقوق الإنسان والبرامج النووية لكل من كوريا الشمالية وإيران، وهو ما يحتم على الغرب الرد بشكل جماعي على هذا التقارب، وإعادة توحيد الصف الغربي، مع البدء بالتوحد في مواجهة التهديد الروسي المتزايد لأوكرانيا».

• تسارعت وتيرة التقارب بين موسكو وبكين خلال العقود الأخيرة حتى تجسد في الدعم الصيني القوي للتدخل الذي قادته روسيا أخيراً لإنهاء الاحتجاجات الشعبية في كازاخستان المجاورة.

• الصين وروسيا مهتمتان بإقامة مؤسسات دولية جديدة تكون بديلة للمؤسسات التي قادتها الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية والمعروفة باسم مؤسسات بيرتون وودز وتشمل صندوق النقد والبنك الدوليين.

طباعة