حين تتجاوز المدرجات حدود المنافسة!

يوسف الأحمد

لم تعد التصرفات والسلوكيات التي شوهدت في الملاعب والمدرجات، مؤخراً، مجرد انفعالات عابرة فرضتها طبيعة التنافس وحساسية المواجهات، بل باتت تعكس حالة من الاحتقان تخطت حدود الصراع والمنافسة، وباتت تستدعي التوقف أمامها بقدرٍ من الحزم والانضباط. فالاندفاع والتراشق لم يكونا وليدَي اللحظة، وإنما جاءا نتاجاً لأصوات وأقلام سبقت المواجهات، وهيأت أجواء الاحتقان بين الجماهير التي تعاملت فئة منها بطريقة تجاوز أثرها حدود المستطيل، إذ عندما يفقد المشجع قدرته على الفصل بين الانتماء والمواقف الأخرى، يصبح حينها المنافس خصماً له خارج الملعب أيضاً، فتتحول المنافسة من اختلاف تحكمه الروح الرياضية إلى خصومة تبحث عن أي فرصة للتعبير عنها.

ولعله من المؤسف أن التجاوز لم يتوقف عند سقف الاستفزاز أو الهتافات الدخيلة، بل امتد إلى التطاول على الرموز والشخصيات، في مشهد يثير التساؤل عن الحدود التي يمكن أن يصل إليها هذا السلوك. فالاختلاف لا يبرر الإساءة ولا يمنح حق الانتقاص من الآخر، مثلما أن نتائج المواجهات، مهما بلغت حساسيتها، لا يمكن أن تكون مبرراً للتخلي عن قواعد الاحترام وثوابت العلاقة، لاسيما عندما يحولها البعض إلى مساحة لاستحضار الخلافات وتصفية المواقف، بما يجعله خروجاً فاضحاً عن جوهر الرياضة ورسالتها وانزلاقاً نحو سلوكيات لم تكن مألوفة في الماضي.

وقد نتفق أن الدور الذي لعبه بعض المنابر والمؤثرين أسهم مباشرة في تشكيل المزاج العام. ولغرض أعداد التفاعلات وكمّ المشاهدات اختار بعضهم لغة التأزيم والتضخيم واقتطاع المواقف من سياقها، في انحراف صريح عن مسار التهدئة والاحتواء. لكن الأخطر أن يتحول هذا الأسلوب إلى مادة تتناقلها الحسابات وتعيد إنتاجها، فتتسع دائرة الاحتقان، ويجد البعض فيها غطاءً لتصرفاتهم، وكأن الإساءة أصبحت موقفاً يُصفق له، لا سلوكاً يستوجب الرفض والمساءلة.

لذا، فإن اللقاءات الكروية أكبر من أن تُختزل في اختلاف وأسمى من أن تتحول إلى واجهة لصراعات لا شأن لها بالملاعب. فليس كل ما يُقال بدافع الانتماء مقبولاً، وليس كل ما يُمارَس تحت الإثارة مبرراً، وحين يصبح التجاوز بطولة والإساءة وسيلة، فإن الصمت لم يعد خجلاً أو حياداً، بقدر ما بات الوضع يتطلب تدخلاً واستئصالاً لهذا الشرر، قبل أن يقلب المدرجات إلى ساحات شحن وتعصب، ويجعلها ضحية انفلات بسبب أشخاص أجادوا تأجيج التوتر، وعبثوا بروح المنافسة وبمفهوم الاختلاف!

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

 

تويتر