انشر الخير

*إعلامي

عيسى عبدالله الزرعوني*

انشر مقطعاً تافهاً، فتجد من يضحك ويشارك. وانشر صورة من العمرة، أو اكتب عن مشاركتك في مبادرة تطوعية، فيتحول بعضهم إلى لجنة تفتيش في النيات: «الخير بينك وبين ربك، ما الداعي إلى هذا الاستعراض؟». نمنح التفاهة مساحة لتظهر، ثم نطلب من الخير أن يختبئ حتى لا يُساء فهمه. النيات مكانها القلب، لا التعليقات. ومن أراد أن يعمل في صمت فله ذلك. لكن اختياره لا يلزم الجميع. قد يرى شخص صورتك من العمرة، فيتذكر رغبة والدته في الذهاب، ويقرر أن يصحبها. تمضي أنت في يومك، ولا تعرف أن ما نشرته شجّعه على ذلك.

بعض الناس لا تنقصهم الرغبة في الخير؛ ينقصهم أن يروا أحداً يبدأ. تخيّل مبادرة تطوعية لتنظيف شاطئ ينقصها المشاركون. يكتب أحدهم عنها، وينشر آخر موعدها، فتصل الدعوة إلى شاب لم يتطوع من قبل. يذهب، ويجد أناساً يشبهونه، ثم ينشر تجربته ويدعو أصدقاءه إلى المشاركة في المرة المقبلة. ولكل واحد منهم نصيبه في نجاح المبادرة؛ من حضر بجهده، ومن عرّف الناس بها بقلمه، ومن نقل أثرها بصورته. وربما شاهدها أب، فوجد فيها فرصة ليقضي مع أبنائه صباحاً يفعلون فيه شيئاً نافعاً معاً. لكن التشكيك المتكرر قد يُسكت صاحب المبادرة نفسه. يجد أن جهده قوبل باتهام، فيتردد قبل أن يدعو الناس مرة أخرى. كم شخصاً كان يمكن أن يشارك لو وصلته الدعوة؟ وكم تجربة نافعة تغيب عنا لأن أصحابها يخشون التعليقات؟

ومع غياب هذه التجارب، قد نظن أن الخير قليل، بينما الذي قلّ هو ما نراه منه. نحتاج إلى رؤية ما يطمئننا إلى الناس، ويذكّرنا بأن لنا دوراً نستطيع أن نقوم به، مهما بدا بسيطاً.

انشر الفعل الجميل، واحفظ لمن ساعدته كرامته وخصوصيته. شجّع المبادرة، واسأل كيف تسهم فيها، وامنح من يبدأ كلمة تعينه على الاستمرار.

لا تطلب من الخير أن يهمس، ثم تتعجب حين تصرخ التفاهة.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

 

تويتر