دورة الخليج.. من يصنع الإثارة؟

يوسف الأحمد

في زمنها الأول، كانت دورة الخليج تعرف طريقها إلى الإثارة عندما كانت تُصنع في الملعب بأقدام النجوم وقوة المواجهات وحماس المدرجات، قبل أن تنتقل تفاصيلها إلى المجالس والصحف. أما اليوم، فقد تغيرت المعادلة، وأصبح جزء كبير من إثارة البطولة يُصنع خارج المستطيل، خلف الشاشات ومنصات التواصل. ففي الماضي، كان لكل منتخب نجومه الذين يمنحون البطولة مذاقها، وكانت الإثارة تبدأ من أقدام اللاعبين لتنتقل إلى المدرجات والملتقيات وغيرها، بينما أصبح الآن الخبر أو التصريح أو أي مقطع مرئي قادراً على إشعال الأجواء، وقد يتحول الحديث عنه إلى مادة أكثر حضوراً من المباراة نفسها.

فقد نتفق على أن تطور الإعلام، وتعدد المنصات، جاءا ليكونا أدوات وسّعت من حضور البطولة وإيصالها إلى قاعدة أكبر من الجماهير، لكن المنافسة بين الشاشات قلبت البحث عن المعلومة إلى بحث عن الصخب واختلاق الحدث. فـ«السبق» الذي كان هدفاً أو انتصاراً أو نجماً يفرض نفسه، صار اليوم خبراً أو تصريحاً مجتزأ أو مشهداً يعاد تدويره حتى يصبح حديث البطولة. مثل ما أن تداول التفاصيل الصغيرة فرض أيضاً التوتر والحساسية، وحوّل الاختلاف إلى مادة لغط، بعد أن باتت المنافسة محصورة بين البرامج والمنصات: من ينفرد، ومن يجذب المشاهد، ومن يصنع العنوان الأكثر تداولاً؟ وهنا تداخلت الحدود بين الإثارة المشروعة والإثارة المبالغ فيها، فالجماهير لم تعد تنتظر المباراة بقدر انتظارها ما يقال قبلها وبعدها، وما يدور حولها، فالشغف انصب على ما يقال أكثر مما سيحدث وسيدور داخل المستطيل.

صحيح أن دورة الخليج كانت دائماً بطولة تشعلها الأقدام، وتحتفي بها المدرجات، وتحكي عنها الشاشات والصفحات، لكن اليوم أصبحت الشاشات هي التي تُشعلها ثم تبحث عن ملعب يحتضن ما أشعلته.

فالبطولة ليست منافسة كروية فقط، فهي مسرح يجمع المنافسة والذكريات والجماهير على خشبة واحدة، وفقدانها لبعض هدوئها وحيويتها يطرح تساؤلاً مهماً: هل نريد أن تبقى البطولة متوهجة في المستطيل أم أن تُترك الشاشات لخطف الأضواء والخروج بهذه الإثارة والضجة المصطنعة أحياناً؟

لذا، قد تحتاج البطولة لاستعادة شيء من معادلتها القديمة، بأن تكون النجومية للملعب أولاً وأخيراً، على أن تبقى الشاشات مرآة للبطولة وليست بديلاً عنها، لأن أجمل ما في دورات الخليج لم يكن يوماً في مقدار ما قيل عنها، وإنما في مقدار ما كان يحدث فيها!

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

تويتر