البِرّ الخفيّ

*نائب مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية - قطاع الخدمات المساندة

الدكتورة سميرة النعيمي*

حين نتحدث عن برّ الوالدين، تتبادر إلى أذهاننا صور عديدة من الطاعة في المعروف، والإحسان، والرعاية، وصلة الرحم، والدعاء، والصدقة عنهما بعد رحيلهما. وكلها أبواب عظيمة للبرّ، لكن هناك باباً آخر قد نمارسه دون أن نشعر، وقد يصل أثره إلى والدينا ونحن لا نقصد ذلك، إنه البّر الخفي الذي تحمله أخلاقنا في تعاملنا مع الآخرين.

كم مرة قابلنا إنساناً أحسن إلينا، أو عاملنا باحترام، أو وقف معنا في موقف صعب، فوجدنا أنفسنا ندعو لوالديه قائلين: رحم الله من ربّاك، أو جزى الله والديك خيراً. وربما لم نعرف والديه يوماً، لكننا أحببناهما من خلال ما رأيناه في ابنهما من خلق كريم.

وهنا تتجلى صورة جميلة من صور البر، فقد يغيب الوالدان عن الدنيا، لكن أثر تربيتهما يبقى حاضراً في سلوك أبنائهما، ويفتح لهما أبواباً من الدعوات الطيبة على ألسنة أناس لم يلتقوا بهما، وربما لم يسمعوا باسميهما.

والأجمل أن هذا البر لا يحتاج إلى مناسبة أو مال أو جهد استثنائي، فقد يتحقق في كلمة طيبة، أو أمانة التعامل، أو إخلاص في العمل، أو إنصاف عند الاختلاف، أو رحمة بضعيف، أو احترام لكبير، أو مساعدة محتاج. مواقف صغيرة في ظاهرها، لكنها تترك أثراً كبيراً في النفوس.

وفي المقابل، قد يتسبب سوء تعاملنا مع الآخرين في الإساءة إلى صورة والدينا وتربيتهما، حتى وإن لم يكونا مسؤولين عن تصرفاتنا، لذلك فإن مسؤوليتنا عن أخلاقنا لا تقف عند حدود صورتنا الشخصية، بل تمتد أحياناً إلى من نحب ونعتز بالانتساب إليهم.

فلنجعل من أخلاقنا امتداداً جميلاً لما غرسه والدانا فينا، ولنحرص على أن نترك في كل تعامل أثراً طيباً يدفع الآخرين إلى الدعاء لهما. فما أجمل أن يرحل الوالدان، وتبقى سيرتهما حاضرة بالخير على ألسنة الناس، من خلال أبناء يحملون قيمهما ويترجمونها إلى أفعال.

فقد نبرّ والدينا بدعوة لم نطلبها، استحققناها بحسن أخلاقنا.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

تويتر